(تسقط بس) و(اختانا).. هل يلحق البرهان بالبشير في مهب الريح الشعبي؟!

 تقرير: عين الحقيقة

 

في ظل حرب مدمرة تتوسع دوائرها وتضاعف من مأساة ملايين السودانيين، يعود الشارع السوداني لاستنهاض مفرداته الثورية الحادة، مستعيداً شعار “تسقط بس” العريق، وموشحاً إياه بحملات ميدانية جديدة مثل حملة “اختانا”. يأتي هذا الحراك المتصاعد ليضع رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في ذات الزاوية الحرجة التي وقف فيها مسبقاً المعزول عمر البشير. فهل يكرر التاريخ نفسه، ويطوي الشارع صفحة برهان كما طوى صفحة الإنقاذ؟ هذا ما يحاول هذا التقرير تفكيكه عبر قراءة المعطيات واستطلاع آراء الخبراء.

جذوة الرفض تتجدد

لم تكن هتافات “تسقط بس” مجرد شعار عابر، بل كانت التعبير الأكثر راديكالية عن رفض نظام الإنقاذ وواجهاته طيلة سنوات الحراك الثوري. واليوم، ومع تفاقم الأزمات المعيشية، وانهيار المنظومة الصحية والأمنية، وغياب أي أفق سياسي حقيقي لإنهاء الحرب، ينتقل الشارع من حالة السخط الصامت إلى الفعل المنظم. وفي هذا السياق، تبرز حملة “اختانا” التي أطلقتها لجان المقاومة وقوى شبابية ووطنية حية، كاستراتيجية نضالية جديدة تهدف لقطع الطريق أمام أي محاولات لتدوير الأزمة أو شرعنة بقاء العسكر وحلفائهم في سدة الحكم. الحملة لا تستهدف مجرد وقف الحرب، بل تعلن بوضوح مقاطعة ورفض منظومة السلطة برمتها، معتبرة أن بقاء البرهان وقيادة الجيش في السلطة هو استمرار لدوامة الخراب، مما يعيد للأذهان مشهد أيار/مايو وديسمبر المجيدة حين توحد الشارع على كلمة ناهضة واحدة.

قراءة في مآلات المشهد

لكشف أبعاد هذا التآكل الشعبي ومقارنته بمصير النظام السابق، التقت “عين الحقيقة” بعدد من الخبراء والمحللين السياسيين والاستراتيجيين حيث يؤكد الخبير الاستراتيجي والباحث السياسي د. الهادي محمد أحمد أن “الفارق الزمني والظرفي بين البشير والبرهان يتلاشى تدريجياً بفعل العجز المماثل في إدارة الأزمات الوطنية”. ويضيف: “البشير سقط عندما فقد القدرة على تأمين رغيف الخبز والحد الأدنى من مقومات الحياة للمواطن، والبرهان اليوم يواجه نفس الاختبار القاسي، بل في بيئة أشد قسوة تتسم بالحرب الأهلية وتشريد الملايين. الشارع لم يعد يتقبل الأعذار، وشعارات مثل (تسقط بس) و(اختانا) تعكس سقوطاً مدوياً لما تبقى من شرعية أخلاقية وسياسية للسلطة الحالية”.

الفرق بين السقوطين.. عسكرياً وسياسياً: من جهتها، ترى المحللة السياسية رانيا عبد الله أن آليات السقوط قد تختلف في ظروف الحرب الحالية، لكن النتيجة واحدة. وتقول في حديثها للصحيفة: “في أبريل 2019، كان الجيش مؤسسة موحدة انحازت للشارع ضد البشير. أما اليوم، فالمؤسسة العسكرية نفسها طرف في نزاع وجودي ومعقد، ومع ذلك فإن تآكل الحاضنة المدنية والشعبية للبرهان واتساع دائرة السخط عبر حملات المقاومة المنظمة يجعله معزولاً سياسياً أكثر من أي وقت مضى. إذا لم يدرك رأس السلطة أن الشارع قد حسم أمره، فإن صيغة السقوط لن تكون عبر انقلاب تقليدي، بل عبر انهيار شامل ورفض شعبي واسع لا يمكن احتواؤه”.

هل يلحق البرهان بالبشير حقاً؟ يجيب المحلل السياسي والاقتصادي عثمان إبراهيم بالقول: “تاريخياً، الأنظمة التي تعتمد على البندقية وتتجاهل النبض الشعبي محكومة بالنهاية ذاتها. البشير غادر السلطة مكَبلاً بسخط شعبي عارم، والبرهان يسير بخطى حثيثة نحو نفس المصير إذا استمر في الرهان على الحلول الأمنية وتأجيل التسوية الديمقراطية. حملة (اختانا) وشعارات (تسقط بس) ليست مجرد كلمات، بل هي إعلان لوفاة الشراكة المفترضة بين الشعب وهذه القيادة”.

بين مطرقة الحرب المستعرة وسندان الرفض الشعبي الجارف الذي تعبر عنه شعارات “تسقط بس” وحملات “اختانا”، يبدو الكرسي الذي يجلس عليه الفريق أول عبد الفتاح البرهان مهتزاً بشدة. ومع تزايد القناعة الشعبية بأن بقاء النخبة العسكرية والحالية هو صمام استمرار الأزمة، تتجه بوصلة الشارع السوداني نحو حتمية التغيير الجذري. وسواء أتعجلت الأقدار هذا السقوط أم أبطأته تعقيدات الميدان، فإن شبح مصير البشير بات يلاحق البرهان في كل خطوة، معلناً بوضوح أن زمن الوصاية والشعارات الفارغة قد ولى بلا رجعة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.