انهيار مناجم الذهب في السودان.. المقابر الذهبية.. رحلة البحث عن الحياة في أحشاء الموت

تقرير: عين الحقيقة

لم يعُد الذهب في السودان مجرد عنصر كيميائي يُقاس بالقراط أو الثمن، بل تحول في ظل ظروف الحرب والنزوح وتدهور الأوضاع الاقتصادية إلى «مصيدة للفتك بالأرواح». في عمق الصحاري والوديان النائية في ولايات نهر النيل، البحر الأحمر، وغرب وجنوب كردفان، يحفر آلاف الشباب والأطفال حفرهم ومناجمهم بأيدٍ عارية وبوسائل بدائية غاب عنها أدنى معايير السلامة والأمان. يبحثون عن جرامات معدن أصفر تؤمن لهم ولعائلاتهم قُوت يومهم، لكن القيعان الهشة سرعان ما تتحول إلى مقابر جماعية تبتلع أجسامهم وأحلامهم.
الأرقام تتكلم والدماء تنزف
تشير التقديرات الصحفية والميدانية إلى أن قطاع التعدين الأهلي (التقليدي) في السودان يستوعب أكثر من 2 مليون عامل، ارتفع أعدادهم بشكل ملحوظ مع اندلاع حرب أبريل 2023 وتعطل دولاب العمل والوظائف الرسمية. هذا القطاع ينتج أكثر من 80% من إجمالي الذهب المستخرج في البلاد، إلا أن ثمن هذا الإنتاج يُدفع دماً وفجعاً يومياً: فاجعة غرب كردفان (منجم الزرع): أدى انهيار آبار متلاصقة تمتد لأكثر من كيلومتر بظروف أرض رملية هشة إلى مقتل وفقدان أكثر من 67 إلى 70 منقبًا تقليدياً.
كارثة ولاية البحر الأحمر (منجم أوني): شهدت منطقة جبيت وولاية البحر الأحمر حادثة انهيار جديدة أودت بحياة وعشرات الإصابات والمفقودين.حوادث وادي حلفا ونهر النيل: تتكرر الأنباء أسبوعياً عن انهيار آبار مغلقة خطرة وتهاوي التربه فوق رؤوس المنقبين، خلف مئات الضحايا في نهر النيل والشمالية خلال الفترات الماضية.
جذور الأزمة
غياب أجهزة الرقابة واشتراطات السلامة،يعتمد التعدين التقليدي على الحفر العميق بطرق عشوائية ودون دعامات خشبية أو أسمنتية تقي العمال من خطر انجراف التربه الرملية والهشة، غياب المعدات وسوء فرق الإنقاذ، عند وقوع أي انهيار، تُعاق جهود السكّان المحليين والفرق التطوعية بسبب غياب المعدات الثقيلة والحفارات المتخصصة، حيث تحول الأعماق الكبيرة وانعدام الآليات الآبار المنهارة إلى مقابر يتعذر انتشال الجثامين منها.حيث أدت الضغوط الاقتصادية وتداعيات الحرب، أدى الشلل الاقتصادي المترتب على الصراع المسلح إلى لجوء ملايين المواطنين والنازحين إلى امتهان التعدين العشوائي للهروب من الفقر والجوع، حتى في مواقع تم تحذيرهم رسمياً من دخولها لشدة خطورتها.
توزعت مناطق التعدين بين سيطرة جهات متعددة وغياب تام للسلطات الفنية المتخصصة، مما جعل العمل في الآبار خياراً اضطرارياً بلا أي حماية قانونية أو صحية للمواطنين.
مطالبات وحلول عاجلة
يستدعي التتابع الكارثي لحوادث المناجم تحركاً عاجلاً ومسؤولاً يتضمن النواحي التالية: إيقاف التنقيب العشوائي في المناطق الخطرة: إغلاق الصدوع والآبار المهددة بالانهيار وتسييجها بشكل حازم لحماية أرواح الأبرياء.
إلزامية وسائل السلامة والحماية: تنظيم نشاط التعدين الأهلي وإلزام المنقبين بالاشتراطات الفنية والدعامات الهندسية المطلوبة قبل بدء عمليات الحفر.توفير معينات الإنقاذ والطوارئ: تزويد ولايات ومناطق التعدين بفرق دفاع مدني مجهزة وآليات حفر ثقيلة للتعامل السريع مع أي حوادث طارئة.توفير بدائل اقتصادية وفتح مسارات إنسانية: معالجة الأسباب الجذرية التي تدفع الشباب للمخاطرة بحياتهم، وعلى رأسها إنهاء الحرب وتأمين المساعدات الإنسانية والفرص المعيشية للنازحين والشباب.
الذهب الذي يُخضب بدماء الأبرياء والمطحونين لن يساهم في بناء اقتصاد ولا دعم وطن. الأرواح التي تزهق يومياً في أحشاء الأرض السودانية هي أثمن من كل الثروات والذهب، ويبقى السؤال المؤرق يتردد في كل بيت سوداني: إلى متى يستمر هذا النزيف البشري في صمت؟ ومتى يستعيد الإنسان السوداني حقه الأصيل في الحياة والكرامة بدلاً من البحث عن رزقه بين أنياب الموت؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.