حين تتحوّل سياسات الحكومة من تقديم الخدمات وضمان الأمن والعدالة إلى مطالبة الناس بالصمود واحتساب الأجر، فنحن أمام تشيّؤ سياسي للمواطن؛ يُختزل فيه الإنسان من صاحب حقوق إلى أداة لامتصاص كلفة الإخفاق الحكومي. المشكلة ليست في أن الحكومة تطلب التضحية، بل في أنها تجعل التضحية بديلاً عن مسؤوليتها، والصبر ستاراً لعجزها، والطاعة تعويضاً عن غياب المساءلة.
فالدولة ليست منبراً للوعظ بالصبر، ولا الفقر إنجازاً يُسوَّق بخطاب الوطنية، ولا انهيار القدرة المعيشية اختباراً مطلوباً من المواطن اجتيازه حتى تثبت وطنيته. وظيفة الحكومة أن تحكم وتخدم وتُحاسَب، لا أن تُحمّل الناس نتائج سياساتها، ثم تطالبهم بالتصفيق لفضيلة الاحتمال.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: المواطن شريك حين تُطلب منه التضحيات، لكنه يتحوّل إلى عبء حين يطالب بحقوقه!
إن الوطنية ليست تفويضاً مفتوحاً للسلطة، والصمود ليس بديلاً عن الحكم الرشيد، واحتساب الأجر لا يُسقط حق الناس في المساءلة.
فالحكومة التي تطلب من المواطن أن يتحمّل إلى ما لا نهاية، عليها أن تجيب: مَن يحاسب السلطة حين تصبح معاناة الناس هي السياسة الوحيدة التي لا تتوقف؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.