حين يغلق المعلم باب فصله ويقول «كفى»، فهو لا يطالب بترف. هو يقول إن من يبني عقول الأجيال لم يعد قادراً على بناء حياته. وإضراب معلمي الخرطوم يومي الأربعاء والخميس الماضيين ليس حدثاً نقابياً عابراً، بل مرآة تعكس صورة الدولة كلها.
انظروا إلى مطالبهم، فهي بسيطة وعادلة: رفع الحد الأدنى للأجور من 12 ألف جنيه إلى 500 ألف، وصرف متأخرات تراكمت منذ 2023، وانتظام الرواتب في موعد أقصاه الخامس من كل شهر، وتخصيص 20% من الموازنة للتعليم العام، ومركزة الرواتب كي لا يتحول المعلم إلى ضحية عجز الولايات وتفاوتها. أي دولة تحترم نفسها كانت ستعدّ هذه المطالب حداً أدنى لا سقفاً.
والقصة أكبر من الأرقام. حين ينهار دخل المعلم يهتز التعليم الحكومي، فتتسع الفجوة بين طفل يدرس في مدرسة خاصة وآخر يجلس في فصل بلا معلم. وهكذا يتحول التعليم من جسر للصعود الاجتماعي إلى جدار يكرّس الفوارق، وتدفع الأسر الفقيرة الثمن الأكبر.
وفي ذلك درس سياسي لا يخفى. فمن يريد التغيير في السودان لا يبحث عنه في بيانات المنابر وحدها، بل في قاعات المدارس والمستشفيات والنقابات، حيث تتحول الحاجة اليومية إلى وعي ثم إلى فعل منظم. وقد علّمنا التاريخ القريب أن نقابات المهنيين، وفي مقدمتها المعلمون، كانت دائماً في مقدمة الصفوف حين تحرك الشارع.
وعلى السلطات أن تدرك أن تجاهل هذه المطالب ليس توفيراً في الميزانية، بل رهان خاسر على صبر من لا يملك ما يخسره. والخيار الحكيم أن تجلس إلى لجنة المعلمين وتفتح معها حواراً جاداً بجدول زمني معلن.
المعلم الذي يُضرب اليوم يدافع عن مستقبل أطفالنا. فلنقف معه، لأن التغيير الذي ننشده يبدأ حين يُعامل من يعلّمنا بما يليق بمكانته.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.