انقلاب 25 أكتوبر.. البرهان والحركة الإسلامية وإجهاض الانتقال المدني في السودان

بقلم : أ.صفاء الزين

شكّل انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 حدثاً مفصلياً في الصراع على مستقبل الدولة السودانية، فقد مثّل خطوة سياسية وعسكرية قادها الفريق أول عبد الفتاح البرهان لإنهاء الشراكة الانتقالية بالقوة، وفتح الطريق أمام استعادة شبكات النظام السابق لنفوذها داخل مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الحركة الإسلامية التي فقدت سلطتها المباشرة تحت ضغط ثورة ديسمبر.

في ذلك اليوم، أعلن البرهان حل مجلسي السيادة والوزراء، وفرض حالة الطوارئ، واعتقل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وعدداً من الوزراء والقيادات المدنية. وبذلك جرى تعطيل المسار الدستوري الذي تأسس عقب سقوط نظام عمر البشير، وتراجعت الآمال في انتقال يقود إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية تخضع فيها المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية والمساءلة العامة.

كان البرهان هو القائد العسكري الذي أعلن الانقلاب ونفذ قراراته، ويتحمل المسؤولية السياسية المباشرة عن إنهاء الشراكة الانتقالية. وفي المقابل، وجدت الحركة الإسلامية وشبكات النظام البائد في إسقاط الحكومة المدنية فرصة لاستعادة نفوذها داخل مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية والاقتصادية، والحفاظ على المصالح التي راكمتها خلال ثلاثة عقود من الحكم.
م
إن فهم انقلاب أكتوبر يتطلب النظر إلى الصراع على طبيعة الدولة السودانية ومراكز السلطة والثروة فيها. فقد كان الانتقال المدني يفتح الباب أمام إصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية، ومراجعة التمكين الحزبي داخل أجهزة الدولة، وإخضاع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بمراكز القوة للمساءلة، إلى جانب فتح ملفات الفساد والانتهاكات والعدالة الانتقالية.

كانت هذه التحولات تمس مصالح قوى ارتبطت بنظام الإنقاذ، وشكّلت تهديداً لشبكات نفوذها التي استمرت بعد سقوط البشير. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة انقلاب أكتوبر باعتباره حلقة في مسار إجهاض الثورة وإعادة إنتاج السيطرة العسكرية على القرار السياسي، مع إتاحة المجال أمام القوى المرتبطة بالنظام السابق لاستعادة حضورها في مؤسسات الدولة.

وفي الأسابيع التي سبقت الانقلاب، تصاعدت التحركات المطالبة بحل الحكومة المدنية وتسليم السلطة للجيش، بالتزامن مع اعتصامات وتحركات سياسية معارضة للانتقال. وقد وجدت القوى المناهضة للتحول الديمقراطي في إضعاف الحكومة المدنية فرصة لتغيير موازين السلطة، في وقت كانت فيه قضايا الإصلاح الأمني والعسكري وتفكيك التمكين تمثل محوراً أساسياً للصراع السياسي.

إن تحميل البرهان مسؤولية الانقلاب يقتضي أيضاً النظر في أدوار القوى التي ساندته سياسياً، أو عملت على تهيئة المناخ لإجهاض الانتقال. ويستدعي فهم دور الحركة الإسلامية تتبع علاقاتها بمؤسسات الدولة وشبكات المصالح التي تشكلت خلال عهد الإنقاذ، ومواقفها من التحولات التي أعقبت ثورة ديسمبر.

لقد كان جوهر الصراع مرتبطاً بمستقبل منظومة الحكم التي سيطرت على السودان ثلاثة عقود. فسقوط عمر البشير أنهى رأس النظام، بينما بقيت شبكات سياسية وأمنية واقتصادية فاعلة داخل الدولة. وجاء انقلاب أكتوبر ليعيد ترتيب موازين القوة لمصلحة المكوّن العسكري، ويقوض فرص إخضاع تلك الشبكات للمساءلة والإصلاح.

وبعد الانقلاب، دخل السودان مرحلة جديدة من الاضطراب السياسي والاقتصادي، وتصاعدت الاحتجاجات الشعبية في مواجهة الحكم العسكري، واستمر القمع في مواجهة المطالبين بالحكم المدني. كما أخفق الاتفاق الذي أعاد عبد الله حمدوك إلى منصبه في نوفمبر 2021 في استعادة الثقة أو إعادة الانتقال إلى مساره السابق، قبل أن يستقيل حمدوك في يناير 2022 وسط استمرار الأزمة السياسية.

ثم جاءت حرب الخامس عشر من أبريل 2023 لتكشف حجم المأزق الذي وصلت إليه الدولة السودانية نتيجة عسكرة السياسة واستمرار مراكز القوة المسلحة خارج الرقابة المدنية الفاعلة. فقد اندلعت الحرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في سياق صراع على السلطة وترتيبات دمج القوات ومستقبل المؤسسة العسكرية.

ولا يمكن اختزال أسباب الحرب في انقلاب أكتوبر وحده، غير أن الانقلاب أسهم في إضعاف المؤسسات المدنية، وتعطيل الإصلاح الديمقراطي، وإغلاق المجال أمام بناء نظام سياسي قادر على إدارة التنافس على السلطة عبر المؤسسات الدستورية والوسائل السلمية.

وهنا تتجلى المفارقة السودانية: انقلاب أطاح بالانتقال المدني تحت مبررات حماية الدولة انتهى إلى تعميق أزمتها، وقوى عسكرية استأثرت بالقرار عجزت عن حماية البلاد من الانهيار، وشعب خرج في ثورة ديسمبر مطالباً بالحرية والسلام والعدالة وجد نفسه أمام حرب مدمرة تهدد وجود الدولة ومستقبل المجتمع.

إن ذكرى 25 أكتوبر تفرض ضرورة تسمية الوقائع بأسمائها. ما حدث كان انقلاباً عسكرياً قاده عبد الفتاح البرهان، وأطاح بالشراكة الانتقالية، وعرقل مسار الحكم المدني. وقد استفادت من نتائجه قوى وشبكات ارتبطت بالنظام السابق، وفي مقدمتها تيارات الحركة الإسلامية التي سعت إلى الحفاظ على نفوذها ومصالحها داخل الدولة.

وتكشف هذه التجربة أن الأزمة السودانية تتجاوز الصراع بين أطراف السلطة؛ فهي ترتبط ببنية دولة تشكلت مؤسساتها لعقود في ظل التمكين الحزبي، وتداخل المصالح العسكرية والاقتصادية، وغياب الرقابة المدنية والمساءلة الديمقراطية. لذلك، فإن استعادة الحكم المدني تحتاج إلى تغيير جذري في طبيعة العلاقة بين الدولة والتنظيمات السياسية والمؤسسات المسلحة، بما يضمن خضوع الجميع للدستور والقانون.

إن استعادة الدولة السودانية تبدأ بمواجهة الجذور التي قادت إلى انهيارها، وفي مقدمتها هيمنة الحركة الإسلامية وشبكات النظام البائد على مؤسسات الدولة ومفاصل القرار والثروة. فقد كشفت تجربة حكم الإنقاذ أن إخضاع الدولة لمشروع أيديولوجي حزبي يقود إلى إضعاف المؤسسات الوطنية، وتقويض المواطنة المتساوية، وتحويل أجهزة الدولة إلى أدوات لحماية السلطة ومصالح التنظيم.

وعليه، فإن مسؤولية السودانيين اليوم تتجاوز رفض الانقلابات وإدانة الحرب؛ إنها مسؤولية تاريخية تقتضي اقتلاع بنية التمكين الإسلامي من مؤسسات الدولة، وتفكيك شبكات النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني التي أسسها النظام السابق، وإنهاء توظيف الدين في الصراع على السلطة. ويتطلب ذلك مساراً وطنياً مدنياً يستند إلى القانون والمساءلة، ويضمن عدم إعادة إنتاج المنظومة ذاتها تحت واجهات جديدة أو تحالفات مختلفة.

إن بناء دولة سودانية محترمة يبدأ بتحرير مؤسساتها من الهيمنة الحزبية والعسكرية، وإخضاع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لسلطة مدنية دستورية، وضمان استقلال القضاء، ومحاسبة المسؤولين عن الفساد والانتهاكات، واسترداد الأموال العامة، وإرساء نظام سياسي يقوم على التداول السلمي للسلطة والمساواة بين المواطنين. فالدولة ملك لجميع السودانيين، ولا يحق لأي تنظيم أيديولوجي أو مؤسسة عسكرية احتكارها أو إخضاعها لمشروعه الخاص.

وتفرض ذكرى 25 أكتوبر استحقاقاً وطنياً واضحاً: أن يدرك السودانيون أن استعادة الديمقراطية تتطلب تفكيك البنية التي عطّلتها، وأن السلام المستدام يحتاج إلى معالجة جذور الاستبداد والإقصاء والإفلات من العقاب. فوقف الحرب ضرورة عاجلة، واستعادة الدولة من قبضة شبكات التمكين شرط أساسي لبناء مستقبل يليق بالسودانيين وتضحياتهم.

إن المعركة من أجل السودان تبدأ باستعادة حق الشعب في دولته، وإنهاء احتكار السلطة والثروة، وقطع الطريق أمام عودة منظومة الإنقاذ بأي صورة كانت. وعندها يمكن تأسيس دولة مدنية ديمقراطية تحمي الحقوق والحريات، وتصون كرامة المواطنين، وتضع مصلحة السودان فوق مصالح التنظيمات والأفراد، وتمنح الأجيال القادمة وطناً تسوده العدالة والسلام وسيادة القانون.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.