هناك تجارة لا تظهر في ميزان المدفوعات تسمى تجارة القلق، وهي تجارة لها سوق يستغله بعضاً من ضعاف النفوس، والـ”فلوس”، وحتى لا يضعنا البعض في خانة “أعداء” للنجاح فإن معاير النجاح لدي تختلف عن معاير النجاح لدي غيري، فقد ترى أنت أن أسامة داؤود شخصاً ناجحاً، بينما يرى آخر أن أسامة عطا المنان في الاتحاد العام لكرة القدم أنجح من سيقا. لذلك فقبل أطلاق صفة ناجح على شخص لابد أن تبرز نتائجه، حتى يكون الحكم صحيحاً، قد يكون فاشلا وتراه أنت ناجحاً، ولكي أكون منصفا فإنني قد أخترت أثنين من كبار تجار القلق في السودان يلتقيان عند مسمى أب واحد، ويجعلان من المواطن المسكين “بضاعة” يبيعانه الكلام.
الأول هو الكوز غازي صلاح الدين العتباني، رئيس اتجاهات المستقبل، المنشق 2013 عن المؤتمر الوطني المحلول، رئيس الإصلاح الآن، والثاني أيضا ينحدر من صلاح دين آخر غير العتباني وهو قاسم محاضر ومدرب تنمية بشرية، خبرة في الدعاية والتسويق، أكثر من 71 ألف متابع على تيك توك، رئيس نادي الأعمال السوداني.
غازي كان يتاجر في “الوهم الكبير” كان يبيع “المشروع الحضاري” في علبة “دورة” يجد المناخ العام في الجامعة مهيأ للقلق، فيعطي الطالب القادم من الأقاليم، المرهق من زحام موقف السوق الشعبي معنى جاهزا أنت جندي، مغلفة بسيلوفان “أنتماء”؛ قاسم باع الوهم الصغير، يبيع “كيف تصبح براند”، وجد المناخ العام في الخرطوم مهيأ لنفس القلق، فيعطي ابن الطبقة الوسطى وهما أنت بيزنس، بضاعته فردانية، الإثنان أختارا نفس الجغرافيا المركز الآمن، غازي لم يذهب للحاج يوسف ولا أمبدة ولا جنوب الحزام، باع في القصر وقاعات المؤتمرات.
وقاسم كذلك لم يذهب للحاج يوسف ولا أمبدة ولا جنوب الحزام، فتح مكتبه في الخرطوم أتنين، حيث الترس تضعه بنات كنشاط للكنداكات، قال قاسم “ما عندي علاقة بالثورة ولا عارف الثوار بقولو شنو” ثم قرر أن يستغل المناخ العام للترويج لبضاعته، غازي -على الأقل- كان تاجراً “فاشلاً” في “وهمه” حمل السلاح في دار الهاتف حتى نفاد الذخيرة، وحمل الحقيبة ثلاثين سنة، ودفع ثمن “وهمه” منفى في القاهرة.
أما قاسم، فهو تاجر بلا ثمن؛ “دون الفشل” لم يحمل سلاحاً، ولا فكرة، ولا حتى لستكاً؛ وجد بنات يترسن الشارع بأجسادهن أمام التاتشرات، فأعتبرهن فرصة تسويقية؛ أسماها المناخ العام، غازي “شيطن” الثورة، وقاسم “استثمرها” واقعاً ومواقعاً، الأول أراد قتلها، الثاني جعلها “رأس مال” وهذا أحقر، لذلك كلاهما لم يترك أثراً، فقط أفكار تصلح لقاعة مكيفة، ومهارات تصلح لستوري يختفي بعد 24 ساعة، لا أحد يتذكر ماذا قال غازي صلاح الدين، كما لا أحد يتذكر عن ماذا تحدث قاسم قبل أسبوع، لكن الجميع يحفظ ما قاله الشهيد عبدالسلام كشة عن ظهر قلب، أصبحت جملة الشهيد وليد عبد الرحمن مرجعية في أنتو أشتغلو شغلكم وأنحنا بنشتغل شغلنا، لأن الثورة التي “مشت” الحاج يوسف وأمبدة وجنوب الحزام لا يعرفها لا غازي ولا قاسم…
ثورة لم تكن تبحث عن قاعة ولا عن مكتب ولا عن “ريتش”؛ لم تمش لتستغل مناخاً عاماً، بل لتصنع مناخاً خاصاً، مشت حافية، بلا ميكروفون، بلا “سبونسر”، بلا دورة تدريبية بعنوان “كيف تصبح ثائرا في سبعة أيام”؛ مشت لأن الموية قاطعة من شهر، ولأن المستشفى بلا درب، ولأن الولد مات برصاصة طائشة ولم يجدوا له كفن.
الثورة التي مشت أمبدة، لم تضع ترساً من حجر، وضعت ترساً من لحم، أم بدة التي لا يعرفها مدربو التنمية إلا في نشرات الأمم المتحدة، كانت تترس الشارع بجسدها كله، لا لتحمي محل، بل لتحمي جارها من الاعتقال هناك.
لم يكن للساتك دخانا، كان إشارة نحن هنا، رغم أنكم لا ترونا، الثورة التي مشت جنوب الحزام – مايو، الأزهري، السلمة- تلك لم تكن تريد أن تصبح “براند” كانت تريد أن تصبح وطن؛ جنوب الحزام الذي لا يصله لا مشروع حضاري ولا مشروع بيزنس، كان يصنع مشروعه الخاص “التكية” التي أطعم فيها الناس بعضهم بعضاً حين هربت الدولة وهرب “تجار التنمية”.
غازي وقاسم أشتغلا في الخرطوم اتنين، حيث الضوضاء خفيفة، والإنترنت سريع، والثورة اشتغلت في الحاج يوسف وأمبدة وجنوب الحزام، حيث الضوضاء هي صوت الرصاص، والإنترنت “قاطع” لذلك، بقيت ثورتهم، وتبخرت “تجارتكم”؛ لأن التاجر يختار سوقه، والثائر يختاره السوق، والتاجر الجبان يختار سوقاً لا يسأله عن “العوائد”؛ والثائر الشجاع يذهب إلى السوق الذي لا يذهب إليه أحد، ويدفع “العوائد” نيابة عن الجميع؛ لذلك غازي وقاسم أختارا الخرطوم أتنين، فـ”انشرط” بنطلون قاسم كما قال، بينما غازي “الضحك شرطو”.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.