حصاد الرماد

صباح محمد الحسن

الآن، وبعد خمسٍ عجاف من انقلابه على الحكومة المدنية، يجد نفسه يقف على أنقاض وطنٍ هامد؛ حصيلةٌ مرعبةٌ قوامها مئات الآلاف من الضحايا، وملايين النازحين والمشرّدين، واقتصادٌ منهار، وعملةٌ وطنية هوت إلى قاع السحيق.
وقف “رجل الانقلاب” حاملاً بندقيةً بلا مجد!!

طيف أول:
للذين حاولوا تقييد رغباتهم
بخيط الزوال حين يستحيل شفقاً ويغرب،
للأفكار المثقلة بالتردد،
لكل من حسم احترابه مع نفسه.. وللذي لم يزل!!

ويحرص المرء دائماً، قبل أن يترصّد الكاميرا، على أن ينقّي محيطه من كل ما يعكّر صفو الصورة، وبعدها يقف أمامها ليظهر كما يشتهي أن يراه الناس.
غير أن وميض الكاميرا أحياناً لا يعبأ بما يحاول المرء إخفاءه في زوايا المكان، بل ينفذ إلى جوهره ليعرّي ما يضمره في دواخله؛ فتفضح النظرات خبايا النوايا، وتكشف الابتسامة المفتعلة عن أسرار ظن صاحبها أنها حُصّنت ضد الانكشاف.
وبالمثل، وفي سبيل تحسين الصورة السياسية، وفي مشهد عبثي متكرر، حاول الفريق عبد الفتاح البرهان طوال سنوات انقلابه المشؤوم أن يرتدي عباءة “رئيس البلاد”، فخرج على الملأ مسوّقاً لما سمّاه “تصحيح المسار”، ومعلقاً الدستور على أمل أن تمنحه الكاميرا شرعيةً مصطنعة.
والآن، وبعد خمسٍ عجافٍ من انقلابه على الحكومة المدنية، يجد نفسه يقف على أنقاض وطنٍ هامد؛ حصيلةٌ مرعبةٌ قوامها مئات الآلاف من الضحايا، وملايين النازحين والمشرّدين، واقتصادٌ منهار، وعملةٌ وطنية هوت إلى قاع السحيق ووقف “رجل الانقلاب” حاملاً بندقيةً بلا مجد، وبلا عزٍّ وطني، وبلا سيادةٍ حقيقية، ليحصد خيبةً أفرزها مسارٌ قاد البلاد فيه إلى عتمة الحرب التي أرهقت العباد والبلاد.
وها هي صورة البرهان اليوم لا تظهر إلا في خلفية حالكة يطوّقها الموت والدمار.
ولم تكن السنوات الخمس الماضية سوى رحلةٍ طويلةٍ في ممرات الموت؛ حيث تحولت المدن الآمنة إلى ساحات حربٍ مفتوحة، ودُفن الآلاف من المواطنين تحت ركام منازلهم بلا مأتمٍ ولا وداع، فيما قطعت سبل الحياة بملايين آخرين، فتوزعوا بين مخيمات النزوح واللجوء، يصارعون العراء والجوع والمرض، ويبحثون عن وطنٍ ضاع في غياهب الصراع على السلطة.
أيُّ حلمٍ بالسلطة هذا الذي يمشي صاحبه على أشلاء الوطن في رحلة متاهة بلا نهاية؟
فاليوم، لا تتوقف مأساة السودان عند حدود الرصاص والقذائف، بل تتمدد إلى دركٍ مخيف يهدد الوجود بأسره؛ إذ تواجه البلاد شبح المجاعة المحدقة التي تحصد ما تبقّى من أرواح الضعفاء والأطفال، في ظل انعدام الأمن الغذائي وتوقف شرايين الحياة.
وبالتوازي مع ذلك، يتهاوى الجنيه السوداني بصورةٍ مروعة، ليفقد أي قيمةٍ شرائية، ويترك الملايين فريسةً سهلة للفقر المدقع والجوع والعوز، بعد أن قُتل الاقتصاد وتلاشى رأس المال الوطني.
خمس سنوات أدار فيها الانقلابيون ظهورهم لآلام الشعب، ليقفوا اليوم على حصاد الرماد، بلا سيادةٍ ولا شرعية، أمام وطنٍ ينزف أنيناً ودماراً، وشعبٍ يكتب بدمه وعذابه صموداً أسطورياً في وجه الطغيان.
لم يكتفِ “الجنرال” بما آلت إليه البلاد من دمار، بل امتد عار التخلي حتى حين تعرّض شعبه للاعتداء؛ إذ أغمض عينيه عن قصف الطيران المصري للمواطنين السودانيين، واختار الانحياز للخارج على حساب دماء شعبه.
وفي سابقةٍ تاريخيةٍ مخزية لم يجرؤ عليها حاكمٌ من قبل، وقف يلقي باللوم على الضحايا العزّل بدلاً من حمايتهم أو الانتصار لكرامتهم، في مشهدٍ يعرّي تماماً مفهوم السيادة الوطنية لديه، ويثبت للملأ أن انتماءه وحرصه لم يكونا يوماً لسلامة هذا الشعب المكلوم.
وبالتزامن مع الذكرى الخامسة لمأساة الانقلاب، اندلعت ثورةٌ إلكترونيةٌ عارمة تحت وسم “أختانا”، لتشكّل استفتاءً شعبياً كاسحاً أزال اللبس وأكد الحقيقة الساطعة: إن الشارع السوداني لم تعد بينه وبين سلطة البرهان سوى طلقات الحرب ومرارات الخيبة.
جاء هذا الهاشتاغ المدوّي ليردّ بصلابة على أولئك الذين راهنوا واهمين على تلاشي صوت الشارع؛ إذ أثبتت هذه الحملة العفوية العارمة جفاف الرصيد الشعبي للبرهان وحلفائه من أقطاب النظام البائد.
وحتى عندما حاول سدنة السلطة إعادة تدوير المشهد وصناعة وسومٍ موازية لتلميع “الجنرال”، ارتدت محاولاتهم خيبةً وفشلاً ذريعاً أمام وعي الجماهير.
من هنا يبدأ الفصل الأخير من حكاية “الجنرال الموهوم” حكاية تلاشي الشرعية وسقوط الرهان. فمهما حاول البرهان الاتكاء على مناورات “الحوار السوداني” أو إعادة تسويق نفسه، فإن الحقيقة التي أوجزها الشارع باتت أوضح من الشمس: لا يمكن لكل السبل أن تعيد للناس جنرالاً لم يترك لهم سوى خلفية الموت والدمار.
طيف أخير:
#لا_للحرب
توقّع الناطق الرسمي باسم لجنة تهيئة الحوار السوداني السوداني، المهندس عثمان ميرغني، تسارع خطوات الحوار خلال المرحلة المقبلة، وجاء ذلك عقب لقاءٍ وصفه بالمثمر مع رئيس تحالف الكتلة الديمقراطية، جعفر الميرغني، وعددٍ من قيادات الكتلة. وقال ميرغني إن اللقاء تم بغرض تبادل الخبرات والمعلومات!! (زيتنا في بيتنا)

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.