تتجه أزمة المعلمين السودانيين نحو تصعيد نقابي جديد، مع إعلان اللجنة العليا للإضراب بلجنة المعلمين السودانيين برنامجاً للتحركات يبدأ الاثنين 26 أكتوبر 2026 بفعاليات توعوية وإعلامية، ويُختتم بإضراب شامل في جميع محليات ولاية الخرطوم الثلاثاء 27 أكتوبر، في خطوة تستهدف زيادة الضغط على السلطات للاستجابة للمطالب النقابية.
وتخوض اللجنة تحركاتها تحت شعار «إضراب النفس الطويل»، الذي تصفه بأنه «أم المعارك النقابية»، مؤكدة تمسكها بالمطالب الواردة في مذكرة القصر الجمهوري، باعتبارها المرجعية الأساسية لتحركها، في ظل تفاقم الأوضاع المعيشية للمعلمين واستمرار التحديات التي تواجه التعليم الحكومي.
وقالت اللجنة، في تصريح صحفي اطلعت عليه «عين الحقيقة» السبت 24 أكتوبر، إن اجتماع اللجنة العليا للإضراب ناقش تطورات الميدان ومستوى تنفيذ الإضراب في الولايات والمحليات، وخلص إلى مواصلة التصعيد وتعزيز المشاركة النقابية، رداً على تجاهل سلطة بورتسودان للمطالب والمماطلة في الاستجابة لها.
كرري وشرق النيل وبحري في صدارة التحركات
وأشادت اللجنة بصمود المعلمين والمعلمات وتفاعلهم مع الإضراب في مختلف المناطق، وخصّت محليات كرري وشرق النيل وبحري بالتحية، إلى جانب محليتي أمبدة وجبل أولياء، مشيرة إلى تسجيل نسب تنفيذ مرتفعة في عدد من هذه المحليات.
واعتبرت اللجنة أن المشاركة في الإضراب تعكس تمسك المعلمين بمطالبهم، رغم الضغوط الاقتصادية والمعيشية، مؤكدة أن توحيد الصف النقابي وتوسيع المشاركة يمثلان عاملين أساسيين في استمرار التحرك وتحقيق أهدافه.
اتهامات للحكومة باستنزاف المعلمين
وفي قراءتها لمسار الأزمة، اتهمت اللجنة الحكومة بالمراهنة على إطالة أمد الإضراب واستنزاف المعلمين، أملاً في تراجع المشاركة تحت ضغط الظروف المعيشية وتراكم الأعباء الاقتصادية.
وحذرت من أن استمرار تجاهل المطالب قد يتجاوز تأثيره الأوضاع الوظيفية للمعلمين، ليطال مستقبل التعليم الحكومي ومسؤولية الدولة عن توفيره، معتبرةً أن تراجع قدرة المدارس الحكومية على أداء دورها قد يدفع مزيداً من الأسر إلى اللجوء إلى المدارس الخاصة، بما يضاعف الأعباء المالية على المواطنين.
وترى اللجنة أن المعركة النقابية ترتبط، إلى جانب الأجور والبدلات، بحق التلاميذ في التعليم، وبضرورة الحفاظ على المؤسسات الحكومية وضمان استمرارها، في ظل التداعيات التي خلفتها الحرب والأزمة الاقتصادية على مختلف قطاعات الحياة في السودان.
بدل الوجبة لا ينهي الأزمة
وانتقدت اللجنة الإجراءات المالية التي اتخذتها السلطات، مشيرةً إلى رفع بدل الوجبة من 7,700 جنيه إلى 22,300 جنيه، فضلاً عن صرف بعض الفروقات المالية على فترات متباعدة. واعتبرت أن هذه المعالجات لا تمثل استجابة شاملة للمطالب، ولا تعالج جذور الأزمة المعيشية التي تواجه المعلمين، متهمة الحكومة بمحاولة كسب الوقت عبر زيادات جزئية لا تتناسب، بحسب تقديرها، مع حجم الاحتياجات والضغوط الاقتصادية. وشددت على أن مواجهة هذه السياسات تتطلب مواصلة الإضراب، وتعزيز الوعي وسط المعلمين والمجتمع، والتمسك بوحدة الصف النقابي، بما يحول دون إضعاف التحرك أو تفريغه من أهدافه.
فعاليات الاثنين وإضراب شامل الثلاثاء
وفي إطار برنامج التصعيد، حددت اللجنة الاثنين 26 أكتوبر يوماً للفعاليات التوعوية والإعلامية في المدارس والمحليات، بهدف توضيح دوافع الإضراب، وإبراز معاناة المعلمين، والتعريف بمطالبهم، إلى جانب التحذير مما تصفه اللجنة بمخاطر تصفية التعليم الحكومي.
ويتضمن البرنامج حمل اللافتات، وتنظيم المخاطبات المدرسية، وتسجيل مقاطع الفيديو، على أن تحدد المحليات طبيعة الفعاليات وآليات تنفيذها وفقاً لظروفها. كما أعلنت اللجنة تنظيم فعالية إعلامية عبر صفحتها، مع نشر تفاصيلها وموعدها لاحقاً. أما الثلاثاء 27 أكتوبر، فسيشهد، وفق البرنامج المعلن، إضراباً شاملاً في جميع محليات ولاية الخرطوم، في خطوة تمثل محطة رئيسية في مسار التصعيد النقابي، وتستهدف توحيد التحرك وتأكيد تمسك المعلمين بمطالبهم.
وأعلنت اللجنة عقد اجتماع في نهاية الأسبوع لتقييم تقارير المحليات والولايات، ومراجعة مستوى تنفيذ البرنامج، قبل تحديد خطوات الأسبوع التالي والإعلان عنها.
حقوق المعلمين ومستقبل التعليم
وأكدت اللجنة العليا للإضراب أن «إضراب النفس الطويل» يستند إلى الصمود والوعي ووحدة الصف، مشددة على أن الضغوط والمعالجات الجزئية لن تدفعها، وفق موقفها المعلن، إلى التخلي عن المطالب. وجددت تمسكها بأن حقوق المعلمين ليست محل مساومة، وأن التعليم الحكومي مسؤولية الدولة، داعية المعلمين والمعلمات إلى مواصلة الالتفاف حول حراكهم النقابي.
ومع اقتراب موعد التصعيد في الخرطوم، تتجه الأزمة إلى اختبار جديد يتوقف مساره على مستوى تنفيذ الإضراب ومدى استجابة السلطات للمطالب. وبين الرهان على استمرار التحرك النقابي واحتمالات اتساع تداعياته على العملية التعليمية، يبقى مستقبل المواجهة مرتبطاً بما ستسفر عنه الأيام المقبلة من خطوات عملية لمعالجة مطالب المعلمين.
وجددت اللجنة موقفها بالتأكيد على التمسك بشعار «أكيد سوا بنقدر»، مشيرة إلى أن معركتها لا تقتصر على تحسين الأوضاع المعيشية للمعلمين، بل تشمل الدفاع عن التعليم الحكومي وضمان استمرار مسؤولية الدولة عنه.
وبينما يطول أمد الإضراب، يبقى المعلم عالقاً بين راتب لا يسد الرمق، وكرامة يرفض التفريط فيها، ورسالة تعليمية مهددة بالانهيار. وفي الفصول التي غاب عنها المعلمون، لا تتوقف الخسارة عند حدود الأجور والحقوق، بل تمتد إلى أحلام آلاف التلاميذ الذين يدفعون ثمن أزمة لم يصنعوها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.