في القارة السمراء، لا تسقط الأنظمة بالانقلابات العسكرية وحدها؛ فهناك سلاح آخر لا يقل فتكاً عن البندقية، إنه سلاح الاقتصاد حين يتحول إلى أداة لخنق الشعوب وشلّ قدرة الحكومات على الاستمرار. ومن يستهين بجوع الناس، عليه أن يدرك أن ثورات الجياع لا تستأذن أحداً حين تطرق أبواب التاريخ.
وكأن التاريخ يعيد نفسه في السودان، فمشهد عام 2019 لا يزال حاضراً في ذاكرة الشعب. يومها خرج السودانيون في ثورة شعبية أطاحت بنظام عمر البشير، بعد ثلاثين عاماً من الحكم، وكان تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار وأزمة الخبز من أبرز العوامل التي فجّرت الغضب الشعبي. لم تكن لقمة العيش مجرد مطلب يومي، بل تحولت إلى عنوان لأزمة دولة عجزت عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة لمواطنيها.
واليوم، يقف السودان أمام منعطف اقتصادي واجتماعي بالغ الخطورة، يعيد إلى الأذهان الظروف التي سبقت سقوط النظام السابق. فهل يدرك البرهان أن التاريخ لا يكرر أحداثه بالضرورة بالطريقة نفسها، لكنه يعيد إنتاج أزماته حين تفشل السلطة في قراءة دروس الماضي؟
إن استمرار الحرب لم يدمّر المدن ويشرّد الملايين فحسب، بل ألقى بظلاله الثقيلة على الاقتصاد ومعاش الناس، وعمّق أزمة الفقر والجوع، وأضعف قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية. وفي ظل هذه الأوضاع، تتزايد المخاوف من اتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، بينما تبدو معاناة المواطنين أكبر من أن تخفيها التصريحات الرسمية أو تعالجها المعالجات الإعلامية التي تتجاهل جوهر الأزمة.
إنها مجاعة تتسلل إلى البيوت بصمت، ويعيش المواطن آثارها في ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبة الحصول على الخبز والوقود والدواء. وحين تصبح هذه الضروريات بعيدة المنال، فإن الأزمة لا تعود مجرد أرقام في تقارير اقتصادية، بل تتحول إلى معركة يومية يخوضها المواطن من أجل البقاء.
والمؤسف أن القرارات الاقتصادية المتعجلة، التي تُتخذ دون رؤية واضحة أو دراسة كافية لآثارها على حياة الناس، قد تزيد الأوضاع تعقيداً بدلاً من معالجتها. فالدولة التي تواجه حرباً تستنزف مواردها وتستنزف معها طاقات المجتمع، تحتاج إلى سياسات اقتصادية رشيدة، وإدارة قادرة على ترتيب الأولويات، لا إلى قرارات ارتجالية تُحمّل المواطن مزيداً من الأعباء.
ما أشبه الأمس باليوم! فهل يعيد البرهان إنتاج تجربة البشير، وكأن السودان لم يتعلم شيئاً من ثلاثين عاماً من حكم الإنقاذ؟ لقد انتهى ذلك العهد بثورة شعبية، بعدما تراكمت الأزمات السياسية والاقتصادية، وفقد النظام قدرته على إقناع قطاعات واسعة من الشعب بجدوى استمراره. ولم يكن سقوطه حدثاً معزولاً عن واقع الناس، بل جاء في سياق طويل من الاحتقان والتدهور وفقدان الثقة.
ويظل السؤال قائماً: هل يصبح الدقيق والوقود مرة أخرى عنواناً لأزمة سياسية تهدد استقرار السلطة، كما كان الخبز أحد أبرز رموز الأزمة التي سبقت سقوط البشير؟
إن الرهان على القوة وحدها لا يكفي لضمان استقرار أي نظام، فالبندقية قد تفرض الصمت لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تملأ بطون الجائعين، ولا أن تعيد الأموال التي استنزفتها الحرب، ولا أن توفر الدواء لمن فقدوا القدرة على شرائه. كما أن التضييق على الناس أو تجاهل مطالبهم لا يلغي الأزمة، بل قد يضاعف الاحتقان ويجعل معالجتها أكثر صعوبة.
ومع ذلك، فإن المقارنة بين عام 2019 والواقع الحالي لا يمكن أن تتجاهل الفوارق الكبيرة بين المرحلتين. فعندما سقط البشير، كانت مؤسسات الدولة، رغم ما أصابها من تآكل، أكثر تماسكاً من واقعها اليوم في جوانب عديدة. أما السودان الآن، فيواجه حرباً ممتدة، وانقساماً في مراكز السلطة، وتعدد التشكيلات المسلحة، وتراجع السيطرة على أجزاء واسعة من أراضيه، إلى جانب موجات النزوح والدمار وتآكل البنية الاقتصادية والخدمية.
لقد أصبح المشهد أكثر تعقيداً من مجرد أزمة خبز أو وقود؛ فنحن أمام أزمة دولة تتآكل وحدتها، ومجتمع يرزح تحت وطأة الحرب، واقتصاد يستنزف موارده في معارك لا يبدو أن نهايتها باتت قريبة.
إن السودان الذي كان يعاني من أزمات الحكم والفساد قبل الحرب، أصبح اليوم يواجه تحديات تمس وحدة أراضيه ومؤسساته ومستقبل أجياله. ولم تعد القضية محصورة في بقاء هذه السلطة أو سقوطها، بل بات السؤال الأهم: كيف يمكن إنقاذ الدولة من التفكك، وإيقاف الحرب، واستعادة الحياة المدنية، ووضع حد لمعاناة الملايين؟
وفي خضم هذا المشهد، يتزايد تذمر المواطنين تحت ضغط الغلاء وضيق المعيشة، بينما تتراجع قدرتهم على الاحتمال يوماً بعد آخر. فالشعب الذي خرج في ديسمبر مطالباً بالحرية والسلام والعدالة لم يخرج من أجل استبدال أزمة بأخرى، ولا من أجل أن تصبح لقمة عيشه رهينة لحرب مفتوحة تستنزف حاضره ومستقبله.
إن الرهان الحقيقي ليس على قدرة السلطة على الصمود أمام غضب الجياع، بل على قدرتها على إنهاء الحرب وتخفيف معاناة المواطنين واستعادة الدولة. فالتاريخ يعلّمنا أن تجاهل الأزمات لا يجعلها تختفي، وأن الجوع حين يقترن بفقدان الأمل يتحول إلى سؤال سياسي واجتماعي لا تستطيع القوة وحدها الإجابة عنه.
فهل يقرأ البرهان دروس سقوط البشير، أم يترك الأزمات الاقتصادية تتفاقم حتى يصبح الرغيف مرة أخرى شاهداً على عجز السلطة عن الاستجابة لمطالب الشعب؟
ذلك هو السؤال الذي يفرضه الواقع السوداني اليوم، في بلد أنهكته الحروب، واستنزفته الصراعات، وأصبح مواطنوه يبحثون عن أبسط حقوقهم: الأمن، والغذاء، والدواء، والسلام.
فالأوطان لا تُحمى بالجيوش وحدها، ولا تُبنى بالشعارات، وإنما تُصان بدولة تحترم مواطنيها، وتوفر لهم أسباب الحياة، وتضع مصالح الشعب فوق حسابات السلطة والحرب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.