لا حصانة لمن يساند الحرب ويبرّرها

 حسن عبد الرضي

 

ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو استمرار التماهي مع أطروحات الحركة الإسلامية الزائفة، رغم انكشاف الغطاء عنها وثبوت فشلها عمليًا خلال تجربة امتدت زهاء أربعين عامًا من «العواسة» والعبث بتاريخ بلد عريق، والاجتهاد المضني في إعادة ضبط المصنع للشعب السوداني.

وكان لا بد من القول إن ليس كل من أصابته الحرب بريئًا من الموقف الذي مهّد لها، والتأكيد أن كل من ساند مشعليها، ولو بالصمت، يتحمل نصيبًا من المسؤولية عن إشعالها واستمرارها، وإن تفاوتت درجات المسؤولية. فالمعاناة لا تمنح حصانة أخلاقية أو سياسية لمن يساندون دعاة الحرب وضاربي طبولها، أو يبررون سياسات مرتكبي الانتهاكات، أو يسهمون في تضليل عامة الناس. فكل ذلك يسهم في إطالة أمد الحرب.

ولمن لا يزالون يرددون شعار «حرب الكرامة»، نقول: أيُّ كرامة تُصان بتجويع الشعب وتشريد الملايين وتدمير البلاد؟ لقد فضحت الوقائع زيف هذا الشعار؛ فهذه حرب يدفع السودانيون ثمنها من أرواحهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم. ومن يصر على تسويقها باسم الكرامة، رغم ما خلّفته من خراب، إنما يشارك في تزييف الوعي وقلب الحقائق. إنها حرب الجوع والتشريد، لا حرب الكرامة.

أما الذين عادوا من المهاجر، طوعًا أو قسرًا، فليسوا مذنبين لمجرد عودتهم، حتى إن عادوا رغم التحذيرات و«ركبوا رؤوسهم». فمن حق الإنسان أن يختار مكان إقامته. لكن تحويل العودة الفردية إلى دليل على أمن البلاد تضليل لا تسوّغه التجربة الشخصية. فالعودة قرار فردي، أما الترويج لأمان بلد لا تزال الحرب تنهشه، ولا يزال غول الغلاء الطاحن يفتك ببسطائه، فمسؤولية لا يجوز الاستهانة بها. والخداع باسم العودة الطوعية لا يصبح مقبولًا لمجرد أن بعض الناس اختاروا العودة.

وللمعلمين الذين حُرموا مرتباتهم سنوات، والتهم التضخم أجورهم، نقول: أنتم ضحايا سياسات سلطة لم تحفظ حقوقكم، لكن مظلوميتكم لا تبرر مساندتها أو الدفاع عنها. كيف يطالب المرء بحقه، ثم يساند من ينتهكون حقوقه وحقوق الآخرين؟ فالوطنية ليست في احتمال الظلم وحده، بل في رفضه، لا في تبرير من يمارسونه.

أما الصحفيون الذين ينفخون في نار الحرب، مع أنهم ينفخون في «قِربة مقدودة»، ويحرّضون على استمرارها، ويزيّنون الانتهاكات، ثم يطالبون ضحاياها بالصمت عن مسؤولية مشعليها، فلا يمارسون صحافة بريئة؛ بل يسهمون في التضليل وتطبيع العنف. وقد تنشأ عن التحريض مسؤولية قانونية متى توافرت أركانها وثبتت بالأدلة. فالقلم الذي يحرّض على الحرب ليس مجرد ناقل للخبر، بل شريك في صناعة الكارثة.

ومن حق الناس أن ينجوا من القصف، وأن يبحثوا عن مأوى ودواء وطعام. فلا يُلام أحد على خوفه، ولا على حماية أسرته، ولا يُطلب من الجائع أن يثبت وطنيته بالجوع، أو من المشرّد أن يبرهن على شجاعته بالبقاء تحت القصف. لكن ثمة فرقًا بين النجاة من الحرب والتماهي مع خطاب من يطيلونها؛ بين أن تكون ضحية للرصاص، وأن تصبح بوقًا لمن يبررون إطلاقه.

ومن يصفّق للبرهان، أو يروّج لوهم الحسم العسكري، أو يبرر الانتهاكات بحجة أن «الوقت ليس للنقد»، لا يجوز له أن يتخذ معاناة المدنيين درعًا يحتمي به كلما سُئل عن موقفه. فالمحنة لا تمحو المسؤولية، والولاء لا يحوّل الخطأ إلى صواب. كيف يُطلب من الناس أن ينعوا أبناءهم، ثم يُطلب منهم أن يباركوا الطريق الذي يوسّع المقابر؟

ليست المسؤوليات متساوية؛ فثمة فرق بين من أشعل الحرب وامتلك قرارها، ومن شارك في إدارتها، ومن حرّض عليها أو برّر استمرارها. لكن تفاوت المسؤولية لا يعني سقوطها. فقد يكون الإنسان ضحية في موضع، ومسؤولًا عن موقفه في موضع آخر. ولا يحق لأحد أن يتخذ ما أصابه من ظلم ذريعة لتبرير ظلم الآخرين.

وما أريد قوله بوضوح هو أن تقديس شخص، والتسليم له بالعبث بالبلاد والعباد، واحتكار الوطن لمصلحة جماعة أو تنظيم، اعتداء على حق السودانيين في وطنهم وفي تقرير مصيرهم. ليس هناك فرد فوق المساءلة، ولا جماعة تملك البلاد، ولا شعار وطني يبيح إهدار الدماء أو إسكات المعترضين.

ما ندعو إليه هو سيادة الناس لا استبداد الأفراد، ومحاسبة مختطفي السلطة والمتشبثين بكراسيها لا تقديسهم، وصون الوطن لا اختطافه باسم حمايته. ندعو إلى وقف الحرب، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ورفض تحويل معاناة السودانيين إلى وسيلة لإسكاتهم أو مصادرة حقهم في النقد والاعتراض.

فالضحية تستحق الإنصاف والحماية، لا أن تُستخدم مظلوميتها لتبرئة موقف يطيل الحرب.

لا حصانة لمشعل حرب، ولا لمن يسانده أو يبرر الانتهاكات، ولا لمن يطالب الناس بالصمت حمايةً لصورة قائد. فالوطن ليس ملكًا لأحد، والكرامة ليست شعارًا يُرفع فوق أنقاض البيوت، والحرية لا تكتمل ما لم يكن الناس أحرارًا في محاسبة من يحكمونهم. لا قداسة لأحد، ولا وصاية لجماعة، ولا تبرئة لموقف يطيل الحرب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.