من تنظيم سياسي إلى دولة موازية.. الحركة الإسلامية شبكة نفوذ تخترق مؤسسات السودان؟

تقرير ـ عين الحقيقة

في قراءة أنثروبولوجية وسياسية لجذور الأزمة السودانية، كشف الكاتب والباحث عادل يعقوب أحمد نور عن الكيفية التي تحولت بها الحركة الإسلامية السودانية، المعروفة بالإخوان المسلمين، من تنظيم سياسي يسعى إلى الوصول للسلطة إلى شبكة نفوذ موازية تغلغلت في مؤسسات الدولة والمجتمع، مستندة إلى منظومة معقدة من الولاءات الأيديولوجية والمصالح الاقتصادية والروابط العائلية. وبحسب تحليل نشره أحمد نور على موقع «الراكوبة»، فإن تمدد الحركة الإسلامية لم يكن مجرد نتيجة للتعبئة السياسية أو القدرة على حشد الأنصار، بل ارتبط أيضاً باستغلال الفوارق الاجتماعية ومشاعر التهميش لدى قطاعات من أعضائها الأوائل، وتحويلها إلى أدوات لبناء تنظيم مغلق يوفر لأفراده الانتماء والحماية وفرص الصعود الاجتماعي، في مقابل إخضاع معايير الكفاءة والمواطنة لاعتبارات الولاء التنظيمي.
التمكين.. نقطة التحول الكبرى
ويرى الباحث أن انقلاب 30 يونيو 1989 مثّل نقطة تحول مفصلية في تاريخ الحركة الإسلامية، إذ انتقلت من موقع التنظيم السياسي إلى مرحلة إعادة تشكيل الدولة وفق مصالحها وشبكاتها التنظيمية، عبر سياسة «التمكين» التي استهدفت، بحسب التحليل، إحلال الولاء السياسي والتنظيمي محل الكفاءة والاستقلال المؤسسي.
ومع إحكام قبضتها على السلطة، لم تعد مؤسسات الدولة تعمل، وفق هذه  ، باعتبارها أجهزة عامة يفترض أن تخدم المواطنين على قدم المساواة، بل أصبحت قطاعات منها عرضة للتوظيف السياسي، من خلال تعيين الموالين وإقصاء الخصوم وتوسيع نفوذ الشبكات المرتبطة بالتنظيم داخل الخدمة المدنية والأجهزة الأمنية والاقتصاد. وأدى هذا المسار إلى إضعاف استقلال المؤسسات العامة، وتعزيز العلاقة بين الوصول إلى الفرص والامتيازات وبين القرب من دوائر النفوذ، بما أضر بمبدأ تكافؤ الفرص ورسّخ أنماطاً من المحسوبية والزبائنية السياسية.
شبكة نفوذ تتجاوز مؤسسات الدولة
ولا تقتصر خطورة هذه المنظومة، وفق تحليل أحمد نور، على السيطرة المباشرة على أجهزة الحكم، بل تمتد إلى تشابك المصالح الاقتصادية والأمنية والعسكرية مع الروابط الاجتماعية والعائلية والمصاهرات، فضلاً عن علاقات مع بعض الإدارات الأهلية والطرق الصوفية وغيرها من مكونات المجتمع. ويشير هذا التصور إلى أن النفوذ السياسي لا يُمارَس دائماً من خلال المناصب الرسمية وحدها، بل يمكن أن يستمر عبر شبكات المصالح والولاءات حتى عندما تتغير الحكومات أو تتراجع قدرة التنظيم على الظهور العلني.
ومن هنا تبرز فكرة «الدولة الموازية»، بوصفها منظومة نفوذ تعمل داخل مؤسسات الدولة أو بمحاذاتها، وتستفيد من الموارد والعلاقات والامتيازات لتأمين استمرار تأثيرها. وتكمن خطورة هذه البنية في قدرتها على إضعاف الحدود الفاصلة بين المصلحة العامة والمصلحة التنظيمية، وتحويل المؤسسات إلى ساحات للتنافس على النفوذ بدلاً من كونها أدوات لخدمة المجتمع.
من المواطنة إلى المحسوبية
ويضع الباحث تآكل مفهوم المواطنة المتساوية في صلب نتائج هذا المسار، إذ تحل، وفق تحليله، علاقات الوساطة والانتماء والولاء محل القواعد العامة التي يفترض أن تحكم التوظيف وتوزيع الموارد والوصول إلى الخدمات والفرص الاقتصادية. وفي ظل هذا النمط، لا يعود المواطن متساوياً مع غيره أمام مؤسسات الدولة، بل تتفاوت فرصه تبعاً لعلاقاته وموقعه من شبكات النفوذ. ويؤدي ذلك إلى إضعاف الثقة في المؤسسات الرسمية، وتعميق الشعور بالظلم والإقصاء، وتغذية الانقسامات الاجتماعية والسياسية.
كما أن استمرار هذه الشبكات يجعل تفكيك آثار التمكين أكثر تعقيداً من مجرد تغيير القيادة السياسية؛ فاستعادة الدولة تتطلب، إلى جانب الإصلاح القانوني والإداري، معالجة المصالح المتجذرة التي تربط الاقتصاد بالأجهزة الأمنية والعسكرية وبمراكز النفوذ الاجتماعي.
جذور الأزمة الراهنة
وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة في ظل الحرب المستمرة في السودان وما رافقها من انهيار مؤسسات الدولة وتفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية والأمنية. فالحرب لا تجري في فراغ سياسي أو مؤسسي، بل داخل دولة أضعفتها عقود من الصراع على السلطة، وتسييس المؤسسات، وتراجع الثقة بين مكونات المجتمع. وفي هذا السياق، يثير تحليل أحمد نور سؤالاً جوهرياً بشأن قدرة السودان على استعادة دولته الوطنية في ظل استمرار شبكات المصالح والولاءات التي تشكلت خلال العقود الماضية، ومدى استعداد القوى السياسية والاجتماعية للانتقال من منطق السيطرة والإقصاء إلى بناء مؤسسات مستقلة وخاضعة للمساءلة.
غير أن معالجة هذه الإشكالات تقتضي التمييز بين التنظيمات السياسية وأعضائها من جهة، وممارسات التمكين والاستحواذ على مؤسسات الدولة من جهة أخرى، مع إخضاع الانتهاكات والتجاوزات للمساءلة القانونية، بعيداً عن التعميم أو العقاب على أساس الانتماء وحده.
استعادة الدولة تبدأ بتفكيك التمكين
وتخلص القراءة إلى أن الأزمة السودانية لا يمكن اختزالها في الصراع العسكري الراهن أو التنافس بين مراكز السلطة، بل ترتبط أيضاً بطبيعة الدولة التي تشكلت خلال عقود من الحكم السلطوي وتداخل المصالح التنظيمية مع المؤسسات العامة. وتظل استعادة الدولة الوطنية مرهونة بإعادة بناء الخدمة المدنية على أساس الكفاءة، وضمان استقلال القضاء، وإخضاع الأجهزة العسكرية والأمنية لسلطة مدنية دستورية، ومراجعة شبكات المصالح التي نشأت على حساب المال العام، إلى جانب ضمان العدالة الانتقالية وعدم الإفلات من العقاب.
كما يتطلب تجاوز إرث التمكين إقامة نظام ديمقراطي يحمي التعددية السياسية، ويضمن المساواة أمام القانون، ويمنع أي حزب أو جماعة من احتكار مؤسسات الدولة أو توظيفها لخدمة مشروعها الخاص. فالمعركة من أجل استعادة السودان لا تتعلق بتغيير شاغلي السلطة وحدهم، بل بإعادة تعريف الدولة نفسها: من أداة تخدم شبكات النفوذ والولاءات الضيقة إلى مؤسسة وطنية تقف على مسافة واحدة من جميع مواطنيها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.