كيف ننهي الحرب الحالية؟ وكيف نضع حداً لأزمة الحروب التي ظلت تطارد السودان منذ الاستقلال؟ وهل يمكن أن تكون الحرب الدائرة اليوم هي الأخيرة في تاريخ البلاد؟
هذه الأسئلة تتجاوز المعارك الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لتضعنا أمام أزمة دولة لم تنجح في بناء نظام سياسي قادر على إدارة الخلافات سلمياً، وتحقيق العدالة، وتوزيع السلطة والثروة بصورة عادلة.
منذ الاستقلال، شهد السودان حروباً وصراعات مسلحة في مناطق متعددة، دفعت الشعوب السودانية ثمنها قتلاً ونزوحاً وفقراً وانهياراً للخدمات. ومع كل حرب، تتجدد الوعود بإعادة بناء الدولة، لكن الأسباب العميقة للصراع تظل قائمة، لتنفجر من جديد بأشكال مختلفة.
المشكلة ليست في طبيعة السودانيين، وإنما في منظومة سياسية كرّست عسكرة السلطة، وأضعفت المؤسسات المدنية، وأبقت قضايا التهميش والتنمية غير المتوازنة والمظالم التاريخية دون حلول جذرية.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً: من المستفيد من استمرار الحروب؟*
بينما يفقد المواطن بيته ومصدر رزقه ومستقبله، توجد شبكات مصالح قد تجد في الحرب فرصة لتوسيع النفوذ والسيطرة على الموارد وطرق التجارة ومصادر التمويل. كما يمكن لبعض القوى السياسية والعسكرية توظيف الصراع لتثبيت مواقعها وتأجيل استحقاقات الإصلاح والمحاسبة. أما الأطراف الخارجية، فقد تسعى إلى توسيع نفوذها وفق مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية.
غير أن تحديد المسؤوليات يتطلب أدلة ووثائق، لا الاكتفاء بالاتهامات المتبادلة.
وفي موازاة القتال، تتسع جبهة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في خطاب الكراهية والتعبئة القبلية والجهوية. فحين يُحمَّل مجتمع كامل مسؤولية أفعال أفراد، ويتحول الاختلاف السياسي إلى تخوين، يصبح المدنيون أسرى لهوياتهم، وتزداد صعوبة المصالحة حتى بعد توقف المدافع.
هنا تقع مسؤولية كبيرة على الإعلاميين والسياسيين ومستخدمي منصات التواصل الاجتماعي؛ فالكلمة قد تكشف الجريمة وتحمي الضحايا، وقد تتحول أيضاً إلى أداة للتحريض وإشعال مزيد من العداوات.
إن إنهاء الحرب الحالية يتطلب وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وفتح المسارات الإنسانية، وإطلاق عملية سياسية سودانية شاملة، بالتوازي مع إصلاح القطاع الأمني، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ومعالجة المظالم، وإخضاع الموارد العامة لرقابة شفافة.
أما إنهاء أزمة الحروب، فيحتاج إلى ما هو أعمق: دولة مدنية عادلة، وجيش مهني موحد، ومؤسسات مستقلة، ومواطنة لا تميز بين السودانيين بسبب القبيلة أو الإقليم أو الموقف السياسي.
*لن تكون هذه الحرب الأخيرة لمجرد أن الأطراف وقّعت اتفاقاً، بل عندما تصبح الدولة أقوى من السلاح، والقانون أقوى من النفوذ، والمواطنة أقوى من الانتماءات الضيقة.
السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين ليس من سينتصر في الحرب، بل كيف ينتصر السودان على الأسباب التي جعلت الحرب تتكرر، وكيف يستعيد أبناؤه حقهم في الاختلاف دون أن يدفعوا ثمنه دماً ودماراً.
إن السلام الحقيقي لا يعني إسكات البنادق فقط، بل بناء وطن لا يحتاج فيه المواطن إلى السلاح كي يحصل على حقه، ولا يخشى فيه جاره بسبب هويته، ولا تتحول فيه السلطة إلى غنيمة يتقاتل الجميع من أجلها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.