للمرة السادسة على التوالي، اجتمع العالم في جنيف ليقرر مصير السودان، وللمرة السادسة على التوالي، كان السودانيون أنفسهم غائبين.
ستة مؤتمرات منذ يونيو 2024 وحتى أكتوبر 2026، في القاعة نفسها بسويسرا، وبالوجوه الدبلوماسية ذاتها، والبيانات الختامية المتشابهة، مع تغيير التاريخ.
أما طرفا الحرب، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، فلم يحضرا أيًّا من هذه الاجتماعات، لا بشخصيهما، ولا بمفاوضيهما، ولا حتى برسالة مسجلة.
فما معنى أن تجتمع 27 دولة لتتحدث عن وقف إطلاق النار، من دون أن يكون مطلقو النار أنفسهم حاضرين إلى طاولة النقاش؟
في الاجتماع السادس، الذي عُقد في 21 أكتوبر، شاركت الولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا والسعودية والإمارات ومصر وقطر وتركيا وتشاد وجنوب السودان، إلى جانب الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيغاد» وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي.
حشد دبلوماسي دولي كبير، انتهى إلى بيان يدعو إلى «خفض التصعيد وحماية المدنيين والالتزام بهدنة إنسانية».
وهو مضمون تكررت الدعوة إليه في بيانات سابقة.
والمفارقة أن العالم بدأ يدرك محدودية ما يحققه هذا المسار الدبلوماسي. فقد قال المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، في الجلسة الافتتاحية، إن الحرب في السودان تحولت إلى حرب مسيّرات، وإنها تقتل المدنيين في الغالب، مشيرًا إلى انتشار المجاعة في دارفور وكردفان، ومؤكدًا أن الحرب هي التي تصنع هذا الجوع.
كلام صحيح، لكنه يُقال في قاعة باردة في جنيف، بينما تستمر الهجمات بالطائرات المسيّرة على الأرض، وتتصاعد معاناة المدنيين في الفاشر ونيالا وغيرهما من المناطق المتأثرة بالحرب.
من جانبه، قال مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية، بصراحة: «لا يوجد حل عسكري للحرب في السودان».
إنها جملة تكررت على ألسنة مسؤولين دوليين مرارًا، لكن طرفي الحرب لا يزالان يراهنان على الحسم العسكري، فيما ينتظر كل طرف تعزيز قدراته العسكرية، بما في ذلك الحصول على مزيد من الطائرات المسيّرة، لتغيير موازين المعركة.
لماذا فشلت جنيف ست مرات؟
لسبب أساسي: لم تكن هذه الاجتماعات، في جوهرها، منبرًا مباشرًا للتفاوض بين طرفي الحرب، بقدر ما كانت إطارًا لتنسيق الجهود بين الوسطاء الدوليين والإقليميين.
فقد أُنشئت، بمشاركة سويسرا والأمم المتحدة، ما يُعرف بـ«المجموعة الاستشارية للسودان»، بهدف تنسيق المبادرات المتعددة، بما فيها مبادرة جدة الأمريكية السعودية، والجهود المرتبطة بمسار المنامة، ومبادرات إيغاد والاتحاد الأفريقي.
تعمل هذه الأطراف على مسارات متوازية، وتسعى جنيف إلى تقريب مواقفها وتنسيق جهودها. لكن التنسيق بين الوسطاء، مهما بلغت أهميته، لا يكفي لوقف الحرب ما لم يتحول إلى ضغط فعلي على المتحاربين، ويدفعهم إلى القبول بوقف القتال.
وحاول البيان الأخير أن يطرح جوانب أكثر تحديدًا، من خلال التشديد على ضرورة وقف تدفق الأسلحة والطائرات المسيّرة والتمويل الخارجي إلى أطراف النزاع، إلى جانب تفكيك اقتصاد الحرب.
ويعكس التركيز على هاتين المسألتين إدراكًا متزايدًا لدور الإمدادات الخارجية والمصالح الاقتصادية المرتبطة بالحرب في إطالة أمدها. غير أن الاعتراف بهذه العوامل، من دون إجراءات عملية للمحاسبة والضغط على الجهات المتورطة، يظل أقل من مستوى التحدي الذي يواجه السودان.
إنه بيان خارج سرب الدم السوداني اليومي؛ لأن السودانيين لا يحتاجون إلى بيان سادس يدعو إلى حماية المدنيين بقدر حاجتهم إلى آليات فعالة تضمن حمايتهم وتراقب الانتهاكات.
ولا يحتاجون إلى دعوات متكررة لهدنة إنسانية فحسب، بل إلى ضمانات عملية لتنفيذها، وآليات تراقب الالتزام بها وتحدد المسؤولية عن خرقها.
تتعامل جنيف مع السودان بوصفه أزمة إنسانية تحتاج إلى الاستجابة، بينما تظل جذور الحرب سياسية وعسكرية واقتصادية، ولا يمكن تجاوزها من دون معالجة الصراع على السلطة، ووقف التدخلات الخارجية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وبحسب تقديرات أممية يحتاج نحو 34 مليون سوداني إلى المساعدات الإنسانية، فيما حُرم ملايين الأطفال من التعليم بسبب الحرب.
هذه أرقام كارثية، لكنها نتائج وليست أسبابًا. أما الأسباب فتتصل بصراع جنرالات الجيش على السلطة، وبأدوار القوى الإقليمية في دعم أطراف النزاع، وبمجتمع دولي لم يتمكن، حتى الآن، من تحويل إدانة الحرب والتحذير من تداعياتها إلى خطوات كافية لوقفها.
ستة مؤتمرات في جنيف، وتكاليف دبلوماسية باهظة تشمل السفر والإقامة والاجتماعات، في وقت يحتاج فيه السودانيون إلى الغذاء والدواء والمأوى. وربما كان توجيه جزء من هذه الموارد إلى الاستجابة الإنسانية أكثر نفعًا للمتضررين، وإن كانت المساعدات وحدها لا تعالج جذور الحرب.
لقد تحولت جنيف، في نظر منتقدي هذا المسار، إلى طقس دبلوماسي يخفف شعور العالم بالعجز، أكثر مما يشكل طريقًا واضحًا لإنهاء الحرب.
ومع الإعلان عن اجتماع سابع مرتقب، يبقى السؤال: هل ستتمكن الدبلوماسية الدولية من الانتقال من تنسيق المبادرات وإصدار البيانات إلى ممارسة ضغط حقيقي على طرفي النزاع، أم سيظل السودانيون ينتظرون نتائج اجتماعات لا يجلس المتحاربون أنفسهم إلى طاولتها؟
ففي السودان، لا تزال الحرب مستمرة، ولا يزال المدنيون يدفعون الثمن الأكبر، فيما يبقى وقف نزيف الدم الاختبار الحقيقي لأي جهد دولي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.