«اختانا حين يرفض الشارع السوداني استمرار العبث»

آدم موسى عبدالله

لم تعد اللغة الدبلوماسية قادرة على استيعاب الفجيعة السودانية، ولا خطابات التسويف والوعود المؤجلة تصلح لترميم ما أفسدته حرب أبريل 2023. فمن رحم المعاناة اليومية، ومن بين رماد المدن المدمرة وطوابير النزوح والتشرد، برزت كلمة واحدة من عتمة المشهد لتلخص وجع ملايين السودانيين: «اختانا». هذا الوسم الذي اشتعلت به منصات التواصل الاجتماعي، وتحول إلى موجة شعبية عارمة تطالب برحيل قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ليس مجرد تعبير عابر عن الغضب، بل هو إعلان صريح عن سقوط شرعية الخطاب الرسمي وتآكل رصيد الثقة بالكامل.

في اللهجة السودانية الدارجة، تحمل كلمة «اختانا» معنى عميقاً ومباشراً، يفيض بالزهد في وعود السلطة ورفض الوصاية والعبث. حين يختار الشارع هذا التعبير الشعبي الفصيح في دلالته، فإنه يسقط كل التكلف والزخرفة السياسية ليوجه رسالة خشنة ومباشرة لمن يديرون المشهد العسكري والسياسي. إنها صرخة تقول بوضوح: كفانا تجريباً للمجرَّب، وكفانا حروباً تُدار بأرواح الأبرياء ومستقبل الأجيال. هذا التحول اللفظي في أدبيات الاحتجاج الرقمي يعكس هوة ساحقة وواسعة بين تطلعات الناس الحقيقية إلى العيش الكريم والأمان، وبين قمة الهرم السلطوي العسكري الذي أثبت عجزه التام عن حماية البلاد ومؤسساتها.

تتزامن هذه الهبّة الرقمية مع كارثة إنسانية ومعيشية غير مسبوقة تضرب مختلف ولايات السودان. فمن انهيار المنظومة الصحية في مدن مثل الضعين ونيالا وعموم إقليم دارفور، إلى شح الغذاء والدواء، وانقطاع سبل العيش أمام ملايين الشباب والأسر التي باتت تبحث عن أبسط مقومات البقاء اليومي، يتساءل المواطن المقهور: لأجل ماذا تستمر هذه الحرب؟

إن استمرار الصراع العسكري والتشبث بالسلطة وسط هذه الانهيارات الكلية يمثلان جريمة كبرى بحق الشعب السوداني. فالأوضاع الإنسانية المتردية والانعكاسات الكارثية على البنى التحتية والاقتصادية تحتمان على القيادة العسكرية إدراك حقيقة أن استمرارها في سدة المشهد بات عبئاً ثقيلاً وفاتورة لا يمكن احتمالها.

إن المطالبة برحيل البرهان تحت وسم «اختانا» تكشف عن أزمة عميقة في شرعية الأمر الواقع. فالسلطة التي عجزت عن وقف نزيف الدم، وحماية المواطنين، وتوفير الحد الأدنى من الأمن والخدمات، تفقد تدريجياً أي مبرر لوجودها. وما تفاعل الشباب والناشطين والإعلاميين مع هذه الحملة إلا دليل قاطع على أن الوعي الجمعي السوداني قد تجاوز مرحلة الاستكانة والقبول بالواقع المفروض، ليدخل في مرحلة المطالبة بالتغيير الجذري وبناء مستقبل مختلف يقوم على أساس العدالة والمدنية وصيانة كرامة الإنسان.

إن الشعب السوداني الذي ضرب أمثلة فريدة في الصمود والتكافل، والذي يواجه قسوة النزوح واللجوء بصلابة لا تنكسر، قادر تماماً على تصحيح بوصلته الوطنية. إن هتاف «اختانا» ليس نهاية المطاف، بل هو حجر أساس في معركة الوعي المستمرة ضد الاستبداد والعبث بمقدرات الوطن. ومهما بلغت تعقيدات المشهد، ومهما حاول المستفيدون من استمرار الحرب الالتفاف على مطالب الشارع، فإن إرادة الحياة والسلام والعدالة ستظل هي الغالبة في نهاية المطاف.

أمين إعلام جبهة النضال الشعبي السوداني.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.