مبادرة البرهان للحوار: استجابة لضغوط متصاعدة.. أم مناورة لإعادة إنتاج السلطة؟
السفير: عادل إبراهيم مصطفى
لم يعد الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش، يحظى بما يكفي من الثقة السياسية التي تؤهله لقيادة البلاد نحو الاستقرار والتحول الديمقراطي. فمنذ صعوده إلى واجهة المشهد في عام 2019، اتسم مساره بالتراجع عن الالتزامات ونقض العهود، مرورًا بفض اعتصام القيادة العامة وما صاحبه من قتل وانتهاكات جسيمة، والانقلاب على حكومة الثورة المدنية، وصولًا إلى الحرب المدمرة التي أهدرت أرواح السودانيين ودمّرت مقدرات البلاد.
كما ظلت ممارسات سلطته موضع انتقادات واسعة، سواء فيما يتعلق بصون السيادة الوطنية أو بإدارة شؤون الدولة، بما أضعف الثقة في قدرته على تقديم مصلحة الوطن على حسابات البقاء في السلطة.
اليوم، يجد البرهان وسلطته الانقلابية نفسيهما أمام ضغوط داخلية وخارجية متزايدة. فعلى الصعيد الداخلي، يتفاقم الانهيار الاقتصادي، وتتراجع قيمة العملة الوطنية، وتتسع معاناة المواطنين تحت وطأة الغلاء، فيما تتزايد مؤشرات الجوع ونُذُر المجاعة، وتتواصل الخسائر البشرية وموجات النزوح والدمار التي خلفتها الحرب. وعلى الصعيد الخارجي، تتصاعد الضغوط الأمريكية والدولية من أجل وقف القتال، والتوصل إلى تسوية سياسية تنهي الحرب وتفتح الطريق أمام انتقال مدني ديمقراطي يعيد البلاد إلى مسار ثورة ديسمبر وأهدافها.
وفي ظل تداخل هذه الضغوط وتفاقم كلفة استمرار الحرب، تحدثت الأنباء عن تحرك يقوده البرهان لتشكيل لجنة سياسية تمهد لإطلاق عملية حوار مع مكونات مدنية، في مقدمتها تحالف «صمود» وتحالف «تأسيس»؛ المتحالف مع قوات الدعم السريع. كما تحدثت الأنباء عن إجراءات تمهيدية محتملة، من بينها شطب البلاغات المفتوحة ضد قيادات سياسية، ورفع القيود المفروضة على استخراج الأوراق الثبوتية، إلى جانب طرح عملية سياسية برعاية دول «الرباعية»، وفق نهج تدريجي يبدأ بوقف إطلاق النار، ثم حوار شامل حول شكل الدولة والدستور، وينتهي بترتيبات انتقالية جديدة.
وإذا صحت هذه الأنباء، فإن السؤال الجوهري هو: هل تعكس هذه التحركات تحولًا حقيقيًا نحو الاعتراف بضرورة الحل السياسي، أم أنها استجابة لواقع الضغوط المتزايدة، ومحاولة لامتصاصها وكسب الوقت، مع السعي إلى ضمان موقع للقيادة العسكرية في ترتيبات ما بعد الحرب؟.
فالدعوة إلى الحوار، مهما كانت أهميتها، لا تكفي وحدها لإثبات جدية التحول في المواقف، ما لم تقترن بإجراءات عملية تنهي الحرب وتؤسس لانتقال ديمقراطي حقيقي.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: ألم يكن الحوار ممكنًا قبل اندلاع الحرب، حين وقّع البرهان بنفسه الاتفاق الإطاري الذي كان يمهد للانتقال إلى الحكم المدني؟. لقد جاء الانقلاب على ذلك المسار، تحت ضغط الحركة الإسلامية وقوى مناهضة للتحول الديمقراطي، ليعمّق الأزمة ويفتح الباب أمام الحرب. ثم جاءت كلفة استمرار القتال، ورفض المبادرات الرامية إلى وقفه، لتؤكد أن تعطيل الحلول السياسية لا يؤدي إلا إلى توسيع دائرة المأساة. والمفارقة أن الحوار مع القوى المدنية التي تعرضت للملاحقة والاتهامات والإجراءات القضائية أصبح يُطرح اليوم بوصفه أحد مسارات الخروج من الأزمة التي ساهم الانقلاب في تفاقمها.
ومع ذلك، فإن وقف نزيف الدم السوداني يظل أولوية لا تحتمل المزايدة، وأي جهد جاد لإنهاء القتال يستحق النظر والتقييم. لكن من الضروري التمييز بين تسوية تنقذ البلاد وتفتح الطريق أمام تحول ديمقراطي حقيقي، وأخرى توظّف الحوار لإعادة تأهيل المسؤولين عن الانقلاب والحرب، ومنحهم شرعية جديدة تتيح لهم الاحتفاظ بنفوذهم في الدولة والتحكم في مستقبلها.
ومن ثم، فإن المطلوب ليس مجرد إطلاق عملية سياسية جديدة، بل عملية تعالج جذور الأزمة، وتنهي احتكار السلطة بالقوة، وتضع أسسًا راسخة للحكم المدني الديمقراطي. ويقتضي ذلك ألا تتحول ترتيبات الانتقال المقبلة إلى وسيلة لإعادة إنتاج سلطة الانقلاب أو مكافأة القائمين عليه بمواقع في الحكم. كما يتطلب إبعاد المؤسسة العسكرية عن التنافس الحزبي والسياسي، والعمل على بناء جيش وطني مهني موحد، خاضع للسلطة المدنية والدستور، لا ينتزع من القوى المدنية حقها في إدارة الدولة، ولا يجعل من السلطة والثروة غاية لتدخله في السياسة.
وفي هذا السياق، تقع على عاتق تحالفي «صمود» و«تأسيس»، وسائر القوى المدنية والثورية، مسؤولية سياسية كبيرة في التعامل مع أي مبادرة يطرحها البرهان. فالمطلوب هو الانفتاح على كل فرصة جدية لوقف الحرب وحماية المدنيين، دون التسرع في منح المبادرة صفة الجدية قبل اختبارها، أو تقديم تنازلات تفضي إلى إعادة شرعنة الانقلاب أو إعفاء المسؤولين عن الانتهاكات من المساءلة. فالمرونة في البحث عن السلام لا تعني التفريط في أهداف الثورة، كما أن رفض إعادة إنتاج السلطة العسكرية لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لإغلاق أبواب الحلول السياسية الجادة.
ولذلك، ينبغي أن تستند أي مفاوضات إلى مرجعية سياسية واضحة تتضمن وقفًا فعليًا للحرب، وحماية المدنيين، وفتح المسارات الإنسانية وضمان وصول المساعدات، والاتفاق على انتقال مدني ديمقراطي، وإصلاح القطاع الأمني والعسكري، إلى جانب إرساء مسار جاد للعدالة الانتقالية ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم والانتهاكات. فهذه ليست شروطًا شكلية يمكن تأجيلها إلى ما بعد التسوية، بل عناصر أساسية لضمان ألا تتحول نهاية الحرب إلى مجرد استراحة تسبق تجدد الصراع.
إن معيار الجدية في مبادرة البرهان ليس الدعوة إلى الحوار في حد ذاتها، بل الاستعداد لاتخاذ خطوات ملموسة تنهي الحرب، والقبول بانتقال مدني ديمقراطي يستند إلى شعارات ثورة ديسمبر وأهدافها في الحرية والسلام والعدالة.
فالسودان لا يحتاج إلى إعادة تدوير السلطة العسكرية، وإنما إلى تأسيس دولة مدنية ديمقراطية، تقوم على سيادة القانون، وخضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية، وتحقيق العدالة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم والانتهاكات. ولن يتحقق السلام المستدام ما دام مستقبل البلاد رهينة لحسابات البقاء في السلطة، بينما يدفع الشعب السوداني ثمن الحرب من أرواحه وأمواله وكرامته.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.