من الرغيف إلى الشعارات.. كيف تتحول معاناة السودانيين إلى مادة للدعاية السياسية؟

سيف الدولة كمال

لم يعد الرغيف في السودان مجرد سلعة أساسية ترتبط بقوت المواطن اليومي، بل أصبح نموذجاً مصغراً لمعركة أوسع تدور على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتنافس الروايات السياسية على تقديم صورة معينة عن الواقع الاقتصادي، بعيداً أحياناً عن التفاصيل التي يعيشها المواطن في الأسواق والمخابز.
فبينما يتحدث مواطنون عن شراء رغيفتين بألف جنيه في بعض المخابز، تظهر منشورات على فيسبوك تتحدث عن أربعة أرغفة بالمبلغ نفسه، في مشهد يثير التساؤلات حول الفارق بين الأسعار المتداولة والواقع الفعلي، وكيف يمكن توظيف مثل هذه المفارقات في صناعة خطاب سياسي يروّج لتحسن الأوضاع تحت الحكم العسكري.
لكن الرغيف ليس سوى مثال واحد ضمن أشكال متعددة من الدعاية التي يطلقها مؤيدو السلطة، وبعض الأصوات الإعلامية المحسوبة عليها، والمستفيدون من استمرار نفوذها. فالمسألة لا تتعلق بالخبز وحده، وإنما بالطريقة التي يُقدَّم بها الواقع للجمهور، وبمحاولات التأثير في تقييم الناس لأداء السلطة عبر انتقاء الوقائع وإبراز جوانب معينة وإهمال أخرى.
صناعة صورة مغايرة للواقع
في أوقات الأزمات الاقتصادية والحروب، تصبح السيطرة على الرواية العامة جزءاً من الصراع السياسي. فبدلاً من أن ينحصر النقاش في أسعار السلع، ومستويات الدخل، وتكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، قد يتحول إلى منافسة على نشر صور ومنشورات ومقاطع فيديو يراد منها إثبات أن الأمور تسير على نحو أفضل.
وقد تُستخدم قصة فردية عن سلعة رخيصة، أو مبادرة محدودة، أو مشهد لخدمة تعمل بصورة طبيعية في منطقة معينة، لتقديم انطباع أوسع عن استقرار الأوضاع. والمشكلة هنا ليست في نشر الوقائع الإيجابية، بل في تحويلها إلى أحكام عامة لا تسندها بيانات كافية.
فوجود سلعة بسعر منخفض في مكان ما لا يعني بالضرورة انخفاض أسعارها في بقية الأسواق، كما أن نجاح مبادرة محدودة لا يكفي وحده لإثبات تحسن الاقتصاد الوطني.
أبواق السلطة والمصالح السياسية
في أي نظام سياسي، قد توجد أصوات تدافع عن السلطة انطلاقاً من قناعاتها، وأخرى ترتبط مصالحها باستمرارها، وثالثة تتبنى خطابها لأسباب مختلفة. ولذلك، فإن التعامل مع الخطاب المؤيد للحكم العسكري يحتاج إلى التمييز بين الرأي السياسي المشروع، والترويج الذي يفتقر إلى التحقق، والمحتوى الذي تُستخدم فيه المعلومات بصورة انتقائية لتوجيه الجمهور.
أما حين تتكرر الرسائل نفسها عبر حسابات وصفحات متعددة، فإن ذلك يستدعي فحص مصادرها، وتوقيت نشرها، ومدى اعتمادها على معلومات مستقلة، قبل الجزم بوجود حملة منسقة أو تحديد الجهات التي تقف وراءها.
فالدعاية السياسية لا تقوم دائماً على اختلاق الوقائع؛ فقد تعتمد أيضاً على تضخيم حدث محدود، أو تجاهل مؤشرات سلبية، أو تقديم استثناء باعتباره قاعدة، أو تحويل كل انتقاد للأوضاع إلى موقف سياسي معادٍ للسلطة.
الحكم العسكري لا يُقاس بالشعارات
من حق مؤيدي الحكم العسكري الدفاع عن خياراتهم السياسية، ومن حق معارضيهم الاعتراض عليها. لكن تقييم أي سلطة ينبغي أن يستند إلى نتائج قابلة للقياس، لا إلى كثافة المنشورات ولا إلى عدد الإعجابات والمشاركات.
فالمواطن لا يقيّم الاقتصاد من خلال ما يقرأه على فيسبوك فقط؛ بل من خلال ما يستطيع شراءه، وما يتقاضاه من دخل، ومدى توفر الغذاء والدواء والوقود، وتكاليف السكن والنقل، وقدرته على توفير احتياجات أسرته.
كما أن تقييم أداء السلطة لا ينفصل عن أسئلة الأمن والخدمات وسيادة القانون والمساءلة، وهي قضايا لا يمكن اختزالها في سعر رغيف أو صورة منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي.
المواطن بين الحقيقة والدعاية
الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول الدعاية السياسية إلى بديل عن النقاش العام، ويصبح الدفاع عن السلطة أهم من البحث في أسباب الأزمة، أو عندما يُطلب من المواطن تصديق رواية إعلامية تتعارض مع تجربته اليومية من دون تقديم أدلة واضحة.
وفي المقابل، فإن مواجهة الدعاية لا تكون بدعاية مضادة، بل بالتحقق من المعلومات، ومقارنة الأسعار، ونشر البيانات، وكشف التناقضات، والتمييز بين الوقائع والآراء والاستنتاجات السياسية.
فالرغيف الذي يظهر على شاشة الهاتف قد يبدو أرخص من الرغيف الذي يشتريه المواطن من المخبز، لكن هذه المفارقة وحدها لا تثبت تحسن الاقتصاد ولا تثبت وجود حملة منظمة. إنها تفتح باباً مشروعاً للتحقق والسؤال عن حقيقة الأسعار، وكيفية استخدام المعلومات في الخطاب السياسي.
في النهاية، ليست المشكلة في أن يتحدث أنصار السلطة عن إنجازاتها، بل في أن تتحول الدعاية إلى معيار للحقيقة، وأن يُطلب من المواطن أن يرى واقعه من خلال منشورات الآخرين بدلاً من أن تُواجَه معاناته بالبيانات والسياسات والحلول. فالأوطان لا تُدار بالمنشورات، والأزمات لا تنتهي بالإعجابات، والرغيف لا يصبح أرخص لمجرد أن حملة إلكترونية قالت ذلك.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.