برهان.. خازن جنة علي كرتي، اختانا !

بروفيسور عبد المنعم همت

 

اختانا.. كلمة قالها السودانيون بالعامية لكنها أبلغ من كثير من مقالات الفصحى. فيها عتاب وغضب وحسرة وفيها حكاية شعب انتظر الأمن فجاءته الحرب وانتظر الاستقرار فوجد نفسه مشرداً بين المدن والبلدان.

 

اختانا يا برهان.. وعدتنا بالأمن فجاءتنا الحرب وقلت إن الجيش سيحمي الثورة ثم وقع انقلاب 25 أكتوبر 2021. تحدثت عن إصلاح الاقتصاد لكن المواطن ظل يواجه الغلاء وضياع مصادر الرزق. مرت السنوات وتبدلت الوعود وبقي السؤال الذي يطارد السودانيين: ماذا بقي من كل ما سمعناه؟

 

أما الجيش الذي انتظر الناس منه أن يحمي البلاد، فقد وجد نفسه في حرب مدمرة مع قوات الدعم السريع. كان الشعار جيش واحد.. شعب واحد لكننا أصبحنا أمام جيوش متعددة وشعبه مشرد. كيف وصلنا إلى هذه الحال؟ ومن المسؤول عن ترك أزمة القوات المسلحة تتفاقم حتى انفجرت الحرب وأصبح مستقبل البلاد مهدداً؟

 

المواطن لا يريد خطباً جديدة عن الصمود والنصر. يريد أن يعود إلى بيته وأن يطمئن على أسرته وأن يجد عملاً ومدرسة ومستشفى. يريد أن يعيش من دون خوف من القصف أو النهب أو فقدان مصدر رزقه. هذه أبسط حقوقه، لكنها أصبحت أحلاماً بعيدة لملايين السودانيين.

 

اختانا .. لأن السودان ليس ملكاً لك ولأحلام والدك ولا لأي قائد عسكري أو تنظيم سياسي. أرضه وثرواته ملك لأهله ومن حقهم أن يعرفوا ما يجري بشأنها. إذا كانت هناك اتفاقيات تتعلق بالأراضي أو الموانئ أو المنشآت الاستراتيجية فمن حق المواطنين الاطلاع عليها ومعرفة ما تحققه للبلاد وما تترتب عليها من التزامات. السيادة الوطنية ، يا برهان ، حقوق تُصان ومصالح لا يجوز التصرف فيها بعيداً عن إرادة الشعب.

 

وتتحدث عن الديمقراطية والحوار السوداني السوداني بينما تستمر الحرب وتتسع دائرة النزوح والدمار. أي حوار يمكن أن يقنع الناس إذا ظلت البنادق هي التي تحدد مستقبلهم؟ السودان يحتاج إلى حوار يناقش أسباب الحرب وعلاقة الجيش بالسلطة ودور الحركة الإسلامية في المشهد السياسي والعسكري. لا نريد تسوية تعيد إنتاج الأزمة ثم نكتشف بعد سنوات أننا عدنا إلى النقطة نفسها.

 

ومن حق المواطن أن يكتب رأيه وينتقد الحاكم من دون أن يخشى العقاب. حرية التعبير ليست منحة من السلطة ولا يجوز أن يصبح منشور على فيسبوك سبباً لملاحقة صاحب الرأي بسبب موقفه السياسي. الدولة القوية لا تحتاج إلى إسكات مواطنيها وإنما إلى قانون يحمي حقوقهم ويتيح لهم مساءلة من يحكمهم.

 

لكن الوجع الأكبر لا يظهر في الخطب والبيانات. إنه في حياة الناس التي تبددت. أم فقدت ابنها، وأب عجز عن حماية أسرته ومزارع خسر محصوله وشاب ترك جامعته بحثاً عن الأمان. سودانيون باعوا بيوتهم ليجدوا ثمن تذكرة سفر وآخرون أمضوا شهوراً أمام السفارات ينتظرون فرصة للخروج. هؤلاء أصحاب حياة وأحلام ضاعت وسط حرب لم يختاروها.

 

وتقول إنك لن تسمح لحمدوك وقوى الحرية والتغيير بحكم السودان وكأن منع الآخرين من السلطة يمنحك الحق في البقاء فيها. من الذي منحك حق حكم البلاد من دون انتخابات أو تفويض شعبي؟ إذا كنت ترفض التسلط من الخارج فكيف تقبل أن يُفرض الحكم من الداخل بقوة السلاح؟ ومن حق السودانيين أن يختاروا من يحكمهم، لا أن يظل مصيرهم معلقاً بإرادة قائد عسكري.

 

لقد تعب الناس من الوعود والشعارات. لم يحصلوا على السلام الذي انتظروه ولا على العاصمة الآمنة التي يريدون العودة إليها. خسروا بيوتهم وأعمالهم وتفرقت أسرهم وأصبح مستقبل أبنائهم مجهولاً. سنوات من الاضطراب والانقلابات والحرب تركت البلاد أمام أزمة لا يمكن تجاوزها بتغيير الشعارات وحدها.

 

اختانا ليست كلمة حاقدة إنها كلمة مواطن تعب من الانتظار. كلمة أم أثقلها الفقد وشاب ضاع مستقبله وأسرة لم تعد تعرف متى تنتهي محنتها. إنها تعبير عن انهيار الثقة بين الحاكم والمحكوم وعن شعب يريد أن يستعيد حقه في تقرير مصيره.

 

يا برهان، نحن نريد وطناً آمناً، وجيشاً مهنياً واحداً لا ينافس الدولة على اقتصادها ولا ينفرد بحكمها ودولة مدنية يحكمها القانون وتُحاسب فيها جميع الأطراف بمعيار واحد. نريد سلاماً يعالج أسباب الحرب وانتقالاً سياسياً يتيح للسودانيين اختيار حكامهم ومحاسبتهم.

 

ارحل عن السلطة وافتح الطريق أمام شعب يريد أن يستعيد بلاده. لا أحد يملك السودان ولا يحق لأحد أن يجعل بقاءه في الحكم شرطاً لبقاء الدولة.

 

فليس كل من امتلك أسباب البطش امتلك أسباب البقاء ولك في الانقاذ عبرة يا خازن جنة كرتي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.