(خيرنا لينا).. لماذا ارتجفت حكومة السيسي أمام التصدي لاستنزاف الموارد السودانية؟

 تيسير المبارك

 

في وقت يستعر فيه لهيب الحرب وتتضاعف مأساة الشعب السوداني على كافة الأصعدة، تبرز في الأفق الواعي حملات شعبية ووطنية تفكك بجرأة عرى التبعية واستنزاف الثروات. ومن قلب هذا المخاض، تبرز صرخة الحملة الشعبية الواسعة “(خيرنا لينا)” كواحدة من أهم العلامات الفارقة في مسار الوعي الجمعي السوداني الرافض لنهب مقدراته. ولم تكن هذه الحملة مجرد شعار عاطفي عابر، بل تحولت إلى كاشف حقيقي وفاضح لطبيعة المصالح التشابكية والشبكات العابرة للحدود التي طالما اقتاتت على خيرات السودان، الأمر الذي أثار ارتباكاً ملحوظاً وحالة من القلق في الدوائر الرسمية والحكومية بالقاهرة، متسائلين بوجل: هل بدأت شريان تهريب الثروات السودانية نحو الاقتصاد المصري تتعرض لخطر الانقطاع الحقيقي؟

منذ عقود، ولا سيما في ظل سنوات الفوضى ومرحلة الحرب الطاحنة الأخيرة، تحولت الحدود والمعابر ومنافذ التجارة غير الرسمية إلى ممرات سحرية لخروج موارد السودان الاستراتيجية بلا عائد حقيقي يخدم خزينة الدولة أو يعود على المواطن المكلوم بالبنفع.

الذهب والمحاصيل النقدية: تتدفق أطنان الذهب وثروات الموارد الطبيعية والمحاصيل الاستراتيجية بصورة شبه منظمة عبر شبكات تهريب ضخمة تربط قوى نافذة وجهات مستفيدة في الخرطوم وعبر الحدود الشمالية، لتصب مباشرة في شرايين الأسواق الإقليمية، وتحديداً نحو الجار الشمالي (مصر)، الذي وجد في فوضى الحرب فرصة تاريخية للحصول على مدخلات رخيصة وموارد مجانية تدعم استقراره المالي والنقدي المأزوم بطبيعته.

اقتصاد ما بعد الحرب: غدت الموارد السودانية بمثابة “طوق نجاة” غير رسمي لأسواق الاقتصاد المصري الذي يعاني من أزمات هيكلية وتضخم حاد، مما جعل دوائر صنع القرار هناك تنظر بقلق بالغ إلى أي محاولة جادة لضبط الحدود، أو إعادة سيادة الدولة السودانية على موانئها وثرواتها.

لم تكن الحكومة المصرية قلقة من مجرد شعار رفعه ناشطون، بل أزعجها تبلور وعي شعبي سوداني جارف يستهدف في جوهره تجفيف منابع النهب والتهريب وإعادة توجيه بوصلة الثروة نحو الداخل. ويمكن قراءة أسباب هذا الارتجاف في عدة محاور: فقدان المكتسبات المجانية: إن نجاح حملات مثل “(خيرنا لينا)” في الضغط نحو وقف نزف الموارد يعني بوضوح حرمان الأسواق والمصانع والشبكات التجارية المستفيدة في مصر من السلع والموارد السودانية المهربة التي كانت تدخل بأسعار بخسة ودون جمارك أو قيود رسمي

الخشية من تعافي الاقتصاد السوداني المقاوم: تخشى الدوائر المصرية من أن تؤدي اليقظة الشعبية السودانية إلى فرض واقع سيادي جديد يمنع استغلال الضعف الحالي للدولة، مما يقطع الطريق أمام سياسات الهيمنة الاقتصادية الناعمة التي مارستها الأنظمة المتعاقبة في القاهرة تجاه مقدرات السودان.

سقوط شرعية الوصاية: يهدف الشارع السوداني من خلال هذه الحملات إلى تأكيد أن ثروات البلاد يجب أن توظف حصراً لإعمار ما دمرته الحرب وإغاثة ملايين النازحين، لا أن تُستنزف لإنقاذ اقتصادات دول الجوار المجاورة على حساب دجاجة اللحم الحي السوداني.

حملة “(خيرنا لينا)” ليست مجرد صرخة غضب اقتصادية، بل هي إعلان استقلال وطني مبكر يضع الأصبع على الجرح الحقيقي لمشاكل السودان المزمنة. إن ارجاف حكومة السيسي وقلق الدوائر المرتبطة بها يعكسان بوضوح حجم الخسارة التي ستتكبدها تلك الأطراف إذا ما استعاد السودان وعيه وسيطرته على ثرواته. وحين يقرر السودانيون حقاً أن خيرات بلادهم ينبغي أن تبقي لأبنائها، تسقط كل خطط الاستنزاف، وتتهاوى مصالح المتاجرين بآلام هذا الشعب الصامد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.