أزمة خبز.. ما الدور الذي تلعبه المخابرات السودانية للأطاحة بالبرهان عبر ثورة الجياع؟

نورا عثمان

لم تكن أزمة الخبز في السودان يوماً مجرد تفصيل اقتصادي عابر، طالما كانت في الذاكرة السياسية للبلاد “الفتيل” الذي تقصر دونه الخطب وتشتعل على أثره الشوارع. ومع الموجة المتصاعدة لأسعار الدقيق والخبز، وما أفرزته من بلوغ سعر الرغيفة مستويات قياسية تثقل كاهل المواطن، يعود السؤال الاستراتيجي ليطرح نفسه بقوة في كواليس المشهد السوداني المأزوم: هل هي مجرد تداعيات كارثية لانهيار العملة وتكاليف الإنتاج، أم أن خلف الأكمة ما خلفها، وأن هناك أيادي خفية لأجهزة الأمن والمخابرات أو تقاطعات أجنحة النظام تتعمد ترك رغيف الخبز ليحترق، تمهيداً للإطاحة بالفريق أول عبد الفتاح البرهان عبر ثورة شعبية جديدة؟
تأتي هذه الزيادات المتتالية في أسعار جوال الدقيق ومستلزمات الإنتاج في وقت يعاني فيه السودان من حرب طاحنة أكلت الأخضر واليابس. فحين يصل سعر جوال الدقيق إلى مستويات فلكية تقارب النصف مليون أو تتجاوزها في بعض الولايات، وتتراجع قيمة الجنيه بصورة غير مسبوقة، يصبح من المستحيل على الأفران امتصاص الصدمة دون نقل العبء كاملاً إلى الشارع.
لكن الخطير في الأمر أن تاريخ السياسة السودانية يعلمنا أن “غضبة الخبز” هي المسمار الأخير في نعوت الأنظمة المتعاقبة. ومن هنا، تبدو المفارقة صعبة؛ فبينما يواجه البرهان وقيادة الدولة اتهامات بالعجز التام عن تأمين أبسط مقومات الحياة للمواطنين، يرى قطاع من المحللين أن تفاقم أزمة المعيشة لم يعد مجرد عجز اقتصادي، بل تحول إلى أداة ضغط سياسي ممنهجة.
في كواليس الخرطوم وبورتسودان، تتردد همسات لا تنقطع حول طبيعة الصراع الخفي داخل معسكر السلطة نفسه. فالتيارات المتنفذة، وخاصة شبكات المصالح العميقة والدولة العميقة المرتبطة بأجهزة الأمن والمخابرات والكتائب، تمتلك الأدوات والقدرة على التحكم في سلاسل الإمداد ومنافذ توزيع القمح والدقيق. خنق الواجهة السياسية والعسكرية: يرى البعض أن ترك الأوضاع المعيشية تخرج عن السيطرة ووصول سعر الخبز إلى حدود غير مقدورة، هو استراتيجية ضغط صامتة تُمارس ضد البرهان لإجباره على تقديم تنازلات جذرية في مسار الحرب والسلطة، أو محاصرة قراراته الفردية. صناعة البديل الشعبي: إن السماح بانفجار غضب الشارع عبر “ثورة جياع” مرتبطة بالخبز يعيد للأجواء سيناريوهات التغيير الكبرى؛ حيث يُستغل السخط الشعبي العارم كغطاء شرعي لإحداث تغيير في رأس الهرم العسكري دون الحاجة لانقلاب خشن، بل عبر موجة شعبية تطيح بالرجل الأول وتفرز واقعاً سياسياً جديداً تفصله كواليس المخابرات على مهل.
رغم جاذبية نظرية المؤامرة وتورط أجهزة الاستخبارات في هندسة الأزمات المعيشية للضغط السياسي، يرى فريق آخر من المراقبين أن ما يجري هو نتاج طبيعي لانهيار منظومة الدولة واقتصادها الرسمي لصالح اقتصاد المليشيات والتهريب وتآمر تجار الأزمات. فالشركات والمطاحن الكبرى تسابق الزمن لحماية أرباحها وسط تهاوي العملة الوطنية، بغض النظر عن مآلات ذلك على الاستقرار السياسي للبرهان.
إلا أن النتيجة النهائية تظل واحدة: رغيف الخبز بات السلاح الأكثر فتكاً في المعركة السياسية الحالية. إن ترك أسعار الخبز ترتفع بلا رادع حقيقي ليس مجرد إخفاق حكومي إضافي يُضاف إلى سجل السلطة الحالية، بل هو لغم موقوت يهدد بتفجير الشارع السوداني في وجه البرهان ومجلس السيادة. وسواء أكانت أجهزة المخابرات ودوائر النفوذ تتعمد صناعة هذه الأزمة لإسقاط البرهان عبر ثورة جياع مدروسة، أو أن العجز الرسمي هو سيد الموقف، فإن الحقيقة الثابتة هي أن سودان ما بعد هذه الموجة المعيشية لن يكون كما قبلها، وأن من يمسك بملف “الخبز” اليوم، يمسك بمفاتيح مصير السلطة كلها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.