تمر اليوم الذكرى الخامسة لانقلاب اللجنة الأمنية على الحكومة المدنية الانتقالية، ذلك الانقلاب الذي لم يكن مجرد قطع للطريق أمام التحول الديمقراطي، بل كان خطوة أولى في الطريق الذي قاد البلاد لاحقًا إلى الحرب.
فحين باتت العودة إلى الحكم المدني حتمية، بعد أن أثبت الانقلاب فشله وعجزه عن تقديم أي مشروع لإنقاذ البلاد، لم تجد الحركة الإسلامية التي خططت له ومهدت له، سوى الحرب وسيلةً لقطع الطريق أمام تنفيذ الاتفاق الإطاري، وإجهاض المسار الذي كان يمكن أن يعيد السودان إلى الحكم المدني.
كانت الحكومة المدنية، رغم ضعف إمكاناتها وضخامة التركة التي ورثتها، تمضي بخطى ثابتة في معالجة آثار ثلاثة عقود من تجريف مؤسسات الدولة، ومن الفساد الذي ترك البلاد في واحدة من أسوأ حالات الانهيار المؤسسي والاقتصادي في تاريخها الحديث. كانت تحاول إعادة بناء مؤسسات الدولة وإصلاح ما أفسدته سنوات طويلة من التمكين السياسي والاقتصادي.
لكنها لم تكن تعمل في ظروف طبيعية. فقد واجهت مضايقات متواصلة من عسكر اللجنة الأمنية، ومن عناصر الدولة العميقة التي اختبأت خلف نفس المؤسسات العسكرية والأمنية، وظلت تعمل على تعطيل الانتقال وإفشال أي محاولة لإعادة الدولة إلى مسارها المدني.
واليوم، وبعد خمس سنوات، تبدو النتيجة أمام أعين الجميع.
بلاد تنهار.
اقتصاد يزداد تدهورًا، وأسعار ترتفع بوتيرة مرعبة، وعملة وطنية تفقد قيمتها يومًا بعد يوم، وخدمات صحية وتعليمية تتراجع إلى مستويات غير مسبوقة. وفي ظل استمرار الحرب، تتسع دائرة الفقر والجوع والنزوح، ويجد المواطن نفسه محاصرًا بين نيران المعارك وقسوة الحياة اليومية.
ولا يمكن إيقاف الانهيار الاقتصادي من دون إيقاف الحرب.
هذه حقيقة لا تحتاج إلى كثير من الجدل. فكل يوم تستمر فيه الحرب يعني مزيدًا من استنزاف موارد البلاد، وتدمير البنية التحتية، وتعطيل الإنتاج، وإضعاف العملة، وتوسيع رقعة الفقر والجوع.
وفيما تتدهور الأوضاع يومًا بعد يوم، ويواجه المواطنون في مختلف أنحاء السودان خطر الجوع والمجاعة، تصر الحركة الإسلامية، ومن يدور في فلكها، على الدفع باتجاه استمرار الحرب، إما أملًا في العودة إلى السلطة، أو حفاظًا على مصالح نشأت وترسخت في ظل اقتصاد الحرب وسيطرتها على مفاصل الدولة.
وفي المقابل، هناك جهات أخرى مؤيدة للجيش تحرص هي الأخرى على استمرار الحرب، خشية أن تؤدي أي تسوية سياسية إلى فقدان نفوذها ومصالحها، خصوصًا إذا انتهت التسوية إلى حكومة مدنية تعيد ترتيب مؤسسات الدولة وتضع حدًا للاحتكار العسكري والسياسي.
لكن المواطن السوداني لا تعنيه حسابات النخب المتصارعة على السلطة.
المواطن يريد أن يعيش.
يريد أن يعود إلى بيته، وأن يجد الخبز والدواء، وأن يذهب أطفاله إلى المدارس، وأن يعمل دون خوف، وأن يرى دولة تحميه بدلًا من أن تتحول مؤسساتها إلى أطراف في الصراع.
المواطن يريد السلام.
ويواجه السودانيون اليوم أوضاعًا بالغة القسوة نتيجة الانهيار الاقتصادي والحرب وفشل المواسم الزراعية. فقد أدت الحرب إلى تدمير وتهالك البنية التحتية للمشروعات الزراعية، وتعطيل العمليات الزراعية والإنتاجية في مناطق واسعة من البلاد. كما زادت الظروف المناخية الاستثنائية من صعوبة الوضع، في ظل آثار التغير المناخي وتقلبات ظاهرة النينيو وشح الأمطار في مناطق مختلفة، الأمر الذي انعكس على الموسم الزراعي وعلى الموارد المائية والفيضان الموسمي للنيل.
وفي الوقت نفسه، يدفع الأطفال الثمن الأكبر.
أطفال كثيرون في مناطق شتى لم يعودوا إلى مدارسهم. ومدرسون يعيشون تحت ضغط الحاجة، في ظل مرتبات لا تكفي احتياجاتهم الأساسية لأيام معدودة من الشهر، بينما عجزت الدولة عن الاستجابة لمطالبهم وتحسين أوضاعهم.
لكن المشكلة أعمق من مجرد زيادة الرواتب. ففي اقتصاد ينهار وتضخم يلتهم قيمة العملة يوميًا، يمكن لأي زيادة في الأجور أن تفقد قيمتها خلال وقت قصير ما لم تتوقف مسببات الانهيار الاقتصادي نفسها.
والأخطر أن أطفالًا كثيرين اضطروا إلى ترك مقاعد الدراسة والعمل في ظروف قاسية لإعالة أسرهم وإخوتهم الأيتام. ويعمل بعضهم في التعدين الأهلي، في بيئات شديدة الخطورة، ليصبح الطفل السوداني ضحية للحرب والفقر في آن واحد.
وحين يتعرض هؤلاء الأطفال للخطر أو الموت، (كما حدث مؤخرا في للمعدنين في شمال السودان) يبدو حضور الدولة غائبًا عن هموم مواطنيها. وكالعادة، يكون الرد تشكيل لجنة للتحقيق؛ لجنة أخرى قد تنتهي، كما انتهت غيرها، إلى أدراج النسيان، بينما يبتلعها تسويف لجان التحقيق وتزاحم القضايا اليومية التي لا تنتهي، في بلد أصبح فيه الحصول على لقمة الخبز نفسها معركة يومية.
لقد طال أمد الحرب أكثر مما يحتمل السودان.
وكل يوم إضافي تشتعل فيه النيران يعني مزيدًا من القتل والنزوح والجوع والفقر والانهيار. ويعني كذلك تآكل ما تبقى من الدولة ومؤسساتها، واتساع الفجوة بين السودانيين، وتنامي الكراهية وخطاب الانتقام، وارتفاع الأصوات التي تدعو إلى فصل أقاليم أخرى من البلاد.
وهنا يكمن الخطر الأكبر.
فالحروب لا تدمر المدن والقرى وحدها؛ إنها تدمر فكرة الوطن نفسها.
ولذلك فإن وقف الحرب ليس ترفًا سياسيًا، ولا تنازلًا لطرف على حساب آخر، وإنما أصبح ضرورة لإنقاذ السودان من الانهيار الكامل. لا يمكن إعادة بناء الاقتصاد، ولا إعادة تشغيل المدارس والمستشفيات، ولا استعادة الزراعة والإنتاج، ولا إعادة النازحين واللاجئين، ولا الحفاظ على وحدة البلاد، بينما المدافع والطائرات والرصاص هي التي تحدد مستقبلها.
لابد من وقف الحرب فورًا.
ولابد، في الوقت نفسه، من تحقيق العدالة. فلا سلام مستدامًا يمكن أن يقوم على الإفلات من العقاب. وكل من أشعل الحرب، وكل من عمل على إطالة أمدها، وكل من ارتكب انتهاكات بحق المدنيين الأبرياء، يجب أن يخضع للمساءلة أمام قضاء عادل ومستقل.
بعد خمس سنوات من الانقلاب، وبعد سنوات من الحرب، لم يعد أمام السودان وقت ليضيعه في صراعات النخب وحسابات السلطة.
لقد دفع المواطن السوداني الثمن بما يكفي.
آن للسلاح أن يصمت، وأن تعود السياسة إلى مكانها الطبيعي، وأن يستعيد السودانيون حقهم في الحياة وفي دولة مدنية ديمقراطية تحميهم، لا دولة تستخدمهم وقودًا لصراعات السلطة والنفوذ.
السودان يحتاج إلى السلام الآن، لا غدًا.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.