حصاد الخراب والدمار!!
■ إذا كانت سنوات البرهان العجاف قد كشفت، في جزئها الأول، حجم الخراب الاقتصادي والإنساني الذي أصاب السودان منذ انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر ٢٠٢١، فإن جرد الحساب السياسي والوطني يكشف وجهاً آخر للأزمة، ربما كان أشد خطورة وأبعد أثراً؛ وجه السلطة التي لم تكتف بإجهاض الانتقال الديمقراطي، وإنما فتحت الأبواب لعودة قوى النظام الذي أسقطته ثورة ديسمبر، وأعادت إنتاج شبكات نفوذه داخل مؤسسات الدولة، ثم انتهت بالبلاد إلى حرب مدمرة جعلت قرارها الوطني عرضة للتجاذبات الإقليمية والدولية. خمس سنوات ظل خلالها البرهان يتحدث عن السيادة والكرامة وحماية الدولة، بينما كانت المؤسسات المدنية تُفرغ من مضمونها، ويتسع نفوذ العسكريين والجماعات المسلحة، وتتعاظم حاجة السلطة إلى حلفاء الداخل ورعاة الخارج. ولعل السؤال الذي يستحق أن نبدأ به ليس ماذا خسر السودان من الأموال والأرواح، فقد تناولنا ذلك بالأرقام، وإنما ماذا خسر من استقلال قراره السياسي، ومن فرصته التاريخية لبناء دولة مدنية تحكمها المؤسسات والقوانين، لا الجنرالات والتنظيمات العقائدية ومراكز النفوذ الأجنبية؟ كانت أولى الخسائر السياسية الكبرى انقلاب البرهان وحميدتي على السلطة الانتقالية، وما ترتب عليه من ضرب المشروع الذي رفعته ثورة ديسمبر لتفكيك دولة التمكين واستعادة مؤسساتها وأموالها العامة. فلم تكن لجنة إزالة التمكين مجرد هيئة إدارية تعزل الموظفين أو تسترد العقارات، وإنما كانت، رغم ما أثير بشأن إجراءاتها من اعتراضات قانونية وسياسية، إحدى أدوات تفكيك الشبكات التي بناها نظام الإنقاذ خلال ثلاثة عقود من احتكار السلطة والثروة. لكن ما إن وقع الانقلاب حتى تعرض مسار التفكيك للتعطيل والتراجع، وأُعيد عدد كبير من المفصولين من مؤسسات الدولة، وأُلغيت قرارات تتعلق بمصادرة أصول وحسابات ارتبطت بعناصر النظام السابق. وقد وثقت وكالة رويترز في أبريل ٢٠٢٢ إلغاء قرار حل منظمة الدعوة الإسلامية، كما وثقت عودة إسلاميين إلى الخدمة المدنية والتراجع عن إجراءات تجميد أصولهم. ولم تكن تلك مجرد أحكام قضائية منفصلة عن سياقها السياسي، وإنما جاءت وسط انقلاب أطاح بالقوى التي قادت مشروع التفكيك، وفتح المجال أمام شبكات النظام القديم لاستعادة مواقعها. والأشد خطورة أن عودة الإسلاميين لم تقف عند حدود الوظائف والأموال والنفوذ الإداري، بل امتدت إلى التحالف السياسي والعسكري مع سلطة البرهان. فقد كشف تحقيق نشرته رويترز في يوليو ٢٠٢٥، استناداً إلى مقابلات مع مصادر إسلامية وعسكرية وحكومية، أن الحركة الإسلامية السودانية تسعى للعودة إلى السلطة من بوابة دعم الجيش في حربه ضد قوات الدعم السريع، وأن شبكات مرتبطة بها وفرت آلاف المقاتلين وأسهمت في التعبئة والتجنيد والحصول على الدعم العسكري. والأخطر أن الإدارة الأمريكية أعلنت في التاسع من مارس ٢٠٢٦ تصنيف الإخوان المسلمين السودانيين ضمن الكيانات الإرهابية، ثم أصبح تصنيفهم منظمة إرهابية أجنبية نافذاً في السادس عشر من الشهر نفسه، وشمل القرار الحركة الإسلامية السودانية وكتيبة البراء بن مالك باعتبارهما من مكونات التنظيم المحدد في القرار الأمريكي. كما قالت الخارجية الأمريكية إن الحركة ساهمت بأكثر من عشرين ألف مقاتل في الحرب، واتهمت عناصر مرتبطة بها بارتكاب إعدامات وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين، لتضع أمام البرهان سؤالاً لا يمكن تجاوزه؛ كيف أصبحت سلطة تزعم الدفاع عن الدولة تعتمد ميدانياً على تشكيلات مرتبطة بتنظيم نبذته الملايين من السودانيين، وكيف يمكن الحديث عن استعادة الدولة، بينما تتسع داخل منظومتها العسكرية أدوار جماعات عقائدية تحمل مشروعاً سياسياً يتجاوز وظيفة المؤسسة العسكرية الوطنية وليس المطلوب هنا الادعاء بأن جميع تفاصيل التخطيط للحرب قد كُشفت، أو أن وثيقة نهائية أثبتت من أصدر الأمر الأول بإطلاق النار في الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣؛ فذلك يحتاج إلى تحقيق مستقل وشامل. لكن الثابت أن الحرب اندلعت بين شريكي انقلاب أكتوبر، وأن الخلاف حول دمج الدعم السريع وإصلاح المؤسسة العسكرية ونقل السلطة للمدنيين كان في قلب الأزمة السابقة لاندلاعها، وأن قوى إسلامية مسلحة أصبحت لاحقاً جزءاً مؤثراً من التحالف المقاتل إلى جانب الجيش. وهذه الوقائع تطرح سؤالاً سياسياً مشروعاً عن المستفيدين من انهيار الانتقال المدني واستمرار الحرب، وعن مدى تأثير شبكات النظام السابق في قرارات السلطة العسكرية. فهل تستطيع قيادة البرهان التقدم نحو تسوية سياسية تُخرج العسكريين من الحكم إذا كانت قطاعات من حلفائها ترى في استمرار النفوذ العسكري ضمانة لعودتها السياسية؟ وهل يستطيع الرجل أن يقنع السودانيين بأنه يحمي الدولة المدنية، بينما يستند في حربه إلى تشكيلات تقاتل تحت رايات سياسية وعقائدية؟
■ ومن الخراب السياسي الداخلي ننتقل إلى امتحان السيادة الوطنية، حيث تبرز العلاقة بين البرهان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي باعتبارها واحدة من أكثر ملفات الحكم العسكري السوداني إثارة للأسئلة. لا اعتراض على علاقات طبيعية ومتوازنة بين دولتين جارتين، ولا على التعاون الذي يصون مصالح الشعبين؛ فالاعتراض يبدأ عندما تتحول العلاقة بين مؤسسات دولتين إلى علاقة شخصية بين قائدين عسكريين، ويصبح الدعم السياسي والأمني الخارجي أحد مرتكزات بقاء السلطة في الداخل. وقد جسدت زيارات البرهان المتكررة إلى القاهرة، وخصوصاً زيارته الأولى إلى الخارج بعد اندلاع الحرب في أغسطس ٢٠٢٣، أهمية مصر بالنسبة إلى قيادته. أما مشهد وقوفه في مراسم الاستقبال العسكري أمام السيسي، وما أثاره من إحساس لدى بعض السودانيين بالتبعية، فلا تكمن دلالته في التحية العسكرية وحدها، وهي من أعراف البروتوكول التي لا تثبت الخضوع بذاتها، وإنما في السؤال السياسي الأعمق؛ إلى أي مدى أصبحت حسابات القاهرة تؤثر في خيارات القيادة السودانية؟ ومن الذي يحدد سقف العلاقة وحدودها؛ المصالح الوطنية السودانية، أم حاجة سلطة البرهان إلى حليف إقليمي قوي؟ إن السودان ليس امتداداً استراتيجياً تابعاً لأحد، ولا ينبغي أن تتحول أزمته الداخلية إلى تصريح مفتوح لأي دولة للتأثير في مستقبله السياسي. ثم جاءت الاعتداءات التي تعرض لها المعدنون السودانيون قرب الحدود المصرية لتضع حديث السيادة أمام امتحان أشد قسوة. ففي أكتوبر ٢٠٢٦، أسفرت غارات جوية استهدفت مواقع للتعدين قرب المنطقة الحدودية عن سقوط مئات الضحايا، واتهمت مجموعة محامو الطوارئ القوات المصرية بتنفيذ الهجوم، بالاضافة الي شهادات الناجين وقدرت حصيلته الأولية بما لا يقل عن ٢٠٠ قتيل. كما أفادت تقارير صحفية بأن المنطقة شهدت واقعة مشابهة قبل ذلك بأشهر، بينما أعلنت سلطة البرهان تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في الهجوم الأخير. لتمتد القضية كلها إلى سؤال الكرامة الوطنية نفسه؛ لماذا لا يعرف السودانيون حتى الآن الحقيقة الكاملة عما جرى؟ وأين نتائج التحقيقات والاحتجاجات الدبلوماسية والإجراءات التي تكفل عدم تكرار الاعتداءات؟ وكيف يُطالب المواطن بالثقة في سلطة تتحدث عن السيادة كل يوم، بينما تعجز عن تقديم إجابات علنية ومقنعة عندما تسقط أرواح سودانية قرب حدودها؟ وإذا كان ملف المعدنين قد كشف هشاشة حماية المواطن، فإن قضية حلايب وشلاتين وأبو رماد تكشف عمق الخلل في إدارة واحدة من أقدم قضايا السيادة السودانية. فهذه الأراضي محل نزاع حدودي معروف بين السودان ومصر، وتخضع حلايب وشلاتين للسيطرة المصرية الفعلية منذ عقود، بينما ظل السودان يتمسك بمطالبته بها في مراسلاته ومواقفه التاريخية. وليس لديّ ما يثبت أن البرهان وقع وثيقة تنازل قانوني عنها، لكن غياب التنازل الرسمي لا ينهي المسؤولية السياسية عن إدارة الملف؛ فالسيادة لا تُصان بمجرد الاحتفاظ بخرائط في الأدراج او مطالبات روتينية خجولة داخل غرف الامم المتحدة لا يسمع بها احدا، ولا تتحول القضية الوطنية إلى شأن ثانوي لأن الحاكم يحتاج إلى رضا القاهرة. فأين المبادرات الدبلوماسية والقانونية العلنية التي اتخذتها سلطة البرهان لحماية الموقف السوداني؟ وأين الشفافية بشأن أي تفاهمات حدودية أو خرائط أو اتفاقات تمس المناطق المتنازع عليها؟ ولماذا لا يُعرض هذا الملف على السودانيين بوصفه قضية وطنية تتجاوز الحكومات والأنظمة؟ إن من حق الشعب أن يطالب قيادته بألا يُدار النزاع بمنطق المجاملة السياسية، وألا تصبح الحاجة إلى الدعم المصري سبباً لتجميد المطالبة السلمية بالحقوق التي يتمسك بها السودان. وفي ملف الثروات والموارد تتكشف مفارقة أخرى أشد إيلاماً. فقد نشر المعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاتام هاوس” في مارس ٢٠٢٥ دراسة عن الذهب والحرب في السودان، أوردت تقديرات بأن الصادرات غير الرسمية والمهربة إلى مصر تستوعب نحو ستين في المئة من إنتاج الذهب في ولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر، وأن كميات الذهب التي عبرت إلى مصر بطرق غير رسمية قد تتجاوز مئة كيلوغرام يومياً. لتكشف حجم الاقتصاد الموازي الذي ينمو على حساب الخزانة العامة. كما أظهرت بيانات رسمية تغيراً كبيراً في وجهات صادرات الذهب السوداني خلال عام ٢٠٢٥، مع ارتفاع الصادرات المعلنة إلى مصر مقارنة بعام ٢٠٢٤. وهنا يجب ألا نخلط بين التجارة القانونية والتهريب، ولا أن ننسب كل ذهب يعبر الحدود إلى شبكات غير مشروعة؛ لكن السؤال المشروع هو؛ أين الرقابة على الإنتاج والتصدير، وأين عائدات الدولة من مواردها، ومن المستفيد من الفجوة بين الإنتاج الفعلي والصادرات المسجلة؟ وإذا كانت الحدود تسمح بتسرب كميات كبيرة من الذهب، فمن المسؤول عن إحكام الرقابة ومنع استنزاف الثروة الوطنية؟ إن السودان الذي يحتاج إلى كل دولار لإطعام شعبه وعلاج مرضاه وإعادة بناء مؤسساته لا يحتمل أن تبقى موارده رهينة اقتصاد الحرب وشبكات التهريب وضعف الرقابة.
إن حصيلة سنوات البرهان السياسية لا تقاس فقط بالقرارات التي أصدرها، وإنما أيضاً بالفرص التي بددها، والمؤسسات التي أضعفها، والتحالفات التي أعادت تشكيل السلطة بعيداً عن الإرادة الشعبية. فقد بدأ الرجل مرحلته الانقلابية بإقصاء الشركاء المدنيين، وشهد عهده التراجع عن جانب من إجراءات تفكيك التمكين، ثم اتسع نفوذ الإسلاميين داخل التحالف العسكري الذي يقوده، بينما أصبحت البلاد ساحة لصراع إقليمي تتقاطع فيه مصالح مصر والإمارات وإيران وغيرها من الدول. وفي هذا المناخ تراجعت قدرة السودانيين على تقرير مستقبلهم بعيداً عن البنادق والوصايات الخارجية. وليست المسألة أن يقطع السودان علاقاته بمصر أو بغيرها، وإنما أن يقيم علاقاته الخارجية على الندية والمصالح المتبادلة واحترام السيادة، وألا يسمح لأي عاصمة بأن تستثمر انقسامه الداخلي لتفرض إرادتها على قراره الوطني. فالدولة التي تستمد قوتها من شعبها ومؤسساتها لا تحتاج إلى البحث عن شرعيتها في قصور الرؤساء الأجانب، ولا إلى الاحتماء بالتنظيمات العقائدية المسلحة لحماية السلطة.
■ وبعد خمس سنوات، لا يكفي أن نسأل البرهان أين أوصل الاقتصاد، وكم مواطناً شردته الحرب، وكم مدرسة ومستشفى تعطلا؛ بل علينا أن نسأله أيضاً؛ ماذا فعل بالانتقال المدني؟ ومن المستفيد من عودة شبكات النظام السابق؟ وكيف أصبحت الجماعات الإسلامية المسلحة شريكاً مؤثراً في الحرب؟ وما حقيقة التفاهمات التي تحكم علاقته بالقاهرة؟ وأين نتائج التحقيقات في الاعتداءات على المعدنين؟ وماذا فعل لحماية الحقوق السودانية في المناطق المتنازع عليها، ولوقف استنزاف موارد البلاد؟ هذه ليست أسئلة خصومة شخصية، وإنما أسئلة حساب وطني لا يملك أي حاكم حق الهروب منها. إن السودان لن يستعيد عافيته باستبدال جنرال بآخر، ولا بإحلال مليشيا مكان جيش، ولا بعودة نظام الإنقاذ من أبواب الحرب، ولا بالتخلي عن استقلال القرار الوطني طلباً لحماية إقليمية. فالخلاص يبدأ بإنهاء الحرب، وتفكيك شبكات التمكين المسلح والاقتصادي، وإخضاع القوات النظامية لسلطة مدنية دستورية، واستعادة المؤسسات والأموال العامة وفق القانون، وبناء علاقات خارجية لا تقوم على التبعية لأي عاصمة. أما سنوات البرهان العجاف، فلن تكون مجرد فصل عابر في تاريخ السودان، وإنما ستظل شاهداً على الثمن الذي دفعه وطن كامل عندما أصبحت السلطة أغلى من الدولة، والتحالفات السياسية والعسكرية أهم من إرادة الشعب، وحسابات البقاء أسبق من حسابات الكرامة والسيادة.
#اختانا
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.