ذكرى سقوط الفاشر ليست مجرد تاريخ يعاد في الذاكرة ولا حدثاً عسكرياً يُقاس فيه الانتصار والهزيمة بميزان السيطرة على الأرض .
إنها حكاية مدينة دفعت أرواح أبنائها ثمناً لحرب لم يختاروا خوضها ولم يكونوا علي أهبة الاستعداد لها وحكاية أمهات حملن أطفالهن في طرق النزوح واللجوء والشتات وأسرٍ تفرّقت تحت القصف ولم يجتمعو حتي الآن وبيوتٍ أُغلقت أبوابها على أمل العودة ولم يعد أصحابها يعرفون إن كانوا سيجدونها قائمة أم تحوّلت إلى ركام وحطام للذكري .
في الفاشر لم تكن الخسارة حدوداً جغرافية تغيرت وأماكن فقدت بل كانت حياةً كاملة تهاوت واندثرت هناك طفلاً حُرم من مدرسته، ومريضاً انقطع عنه الدواء لأيام طوال وامرأةً وجدت نفسها أمام خيارات قاسية بين البقاء تحت الخطر في بيتها الصغير أو الفرار إلى المجهول وشاباً غادر منزله وهو يظن أنه سيعود بعد ساعات فإذا بالغياب يطول وتصبح العودة حلماً مؤجلاً.
وعندما نتحدث عن سقوط الفاشر ونعيد هذه الذكري السيئة علينا ألا نختزل المأساة الإنسانية في مَن سيطر على المدينة بل أن نسأل:
ماذا حدث للمدنيين؟
أين النساء والأطفال وكبار السن؟
من يحمي الذين لا يحملون السلاح؟
وأين العدالة لمن فقدوا ابنائهم ولمن تعرضوا للقتل أو الانتهاكات أو التهجير القسري والاختفاء؟
إن القيمة الحقيقية لأي موقف من هذه المأساة تبدأ من الاعتراف بأن حياة المدنيين ليست تفصيلاً في الحرب ولا جزاءً منها وأن حماية الإنسان ليست منّةً من أي طرف بل واجب تفرضه المبادئ الإنسانية والقانون الدولي الإنساني.
وتبقى النساء في قلب هذه المأساة بين النزوح وفقدان المعيل والتعرض للعنف وتحمل أعباء النجاة وإعالة الأطفال والبحث عن الأمان والاستقرار بينما تظل احتياجات الناجيات إلى الدعم النفسي والقانوني والصحي أكبر من الاستجابة المتاحة وقد أكدت تقارير أممية بعد عام من سقوط مدينة الفاشر استمرار آثار العنف والنزوح والصدمة النفسية على النساء والفتيات.
وبعد عام على سقوط الفاشر، لا ينبغي أن تكون الذكرى مناسبةً للبكاء واسترجاع الذكريات والسب والسقط وحده بل هي مناسبة لمراجعة الضمير الإنساني وتجديد المطالبة بحماية المدنيين والكشف عن مصير المفقودين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب.
إن الفاشر ليست مجرد مدينة سقطت إنها أرواح تنتظر الإنصاف، وأمهات ينتظرن عودة أبناءهن المفقودين وأطفال ينتظرون أن يكبروا دون خوف من صوت الدانات والراجمات والمسيرات وناجون ينتظرون أن تعود إليهم كرامة الحياة ليعيشوا منها ماتبقي.
فالمدن قد تنهض من الركام وتعمر بسواعد أبناءها لكن جراح الإنسان لا تلتئم بالنسيان، ولا يتحقق السلام الحقيقي ما لم يكن الإنسان وحقه في الحياة والأمان والعدالة في صدارة كل الحلول ومقدمتها.
وجدان_أبوقرون_صحفية مهتمة بحقوق الإنسان وقضايا المرأة والحماية
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.