معاناة منسية.. حين يصبح الانتماء القبلي تهمة

يوسف عزالدين

 

لم تعد الحرب في السودان حربًا بين جيشين، بل تحولت، في خطابها وممارساتها، إلى حرب على مكونات اجتماعية كاملة، دُفع ثمنها من قبائل بعينها وُصمت بأنها «حواضن للدعم السريع»، فأصبحت هدفًا لخطاب كراهية منظم، وعداء اجتماعي، وملاحقات أمنية وقانونية.

منذ الأشهر الأولى للحرب، وجدت قبائل في دارفور وكردفان، وبعض مكونات الوسط والشرق التي ينتمي أفراد منها وقيادات إلى قوات الدعم السريع، نفسها في قلب العاصفة.

لم يُنظر إليها باعتبارها مكونات تضم مواطنين سودانيين نزحوا بسبب الحرب، بل عومل أفرادها بوصفهم «متعاونين» محتملين حتى تثبت براءتهم. وهي تهمة فضفاضة تحولت إلى سلاح يُستخدم للابتزاز والتهجير والانتقام.

بدأ العداء من الإعلام. فقد ربط خطاب إعلامي ممنهج، بعضه رسمي وبعضه شعبي، بين القبيلة والدعم السريع، فأصبح أي فرد من هذه القبائل متهمًا في نظر العامة.

انتشرت قوائم بأسماء القبائل، وخرائط وهمية لما يُسمى «الحواضن الاجتماعية»، كما جرى التحريض عليها علنًا عبر منصات التواصل الاجتماعي، وسط صمت الجهات الرسمية.

وكانت النتيجة رفضًا اجتماعيًا مباشرًا.

طُردت أسر نازحة من هذه المكونات من مراكز الإيواء في الولايات الشمالية والشرقية، ورفض ملاك العقارات تأجيرها لها، بل وصل الأمر إلى الإبلاغ عنها لدى السلطات الأمنية لمجرد لهجتها أو ملامحها.

وتضاعفت المعاناة في الخارج. فالسودانيون الذين فروا إلى دول أخرى من هذه المكونات يواجهون طبقة ثانية من التنمر.

وفي إحدى الدول، كما وثقت تقارير حقوقية، تتعرض تجمعاتهم لحملات أمنية مكثفة، ويُنظَر إليهم باعتبارهم خطرًا أمنيًا، ويعيشون في مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وسط مخاوف من الوصم والانتقام.

أما داخل السودان، فالمأساة أعمق.

السجون ممتلئة.. والجناة أحرار

السجون اليوم ممتلئة بأبناء مكونات بعينها، لم تُوجَّه إليهم تهم حقيقية سوى «التعاون» و«الانتماء».

اعتُقل شباب من الشوارع والأسواق ومنازل النزوح، دون بينة أو محاكمة، ولا يزالون خلف القضبان لأشهر، فقط لأن أسماء قبائلهم وردت في قوائم التحريض.

في المقابل، فإن من كانوا صُنّاع قرار في زمن الاجتياح، ومن أصدروا أوامر السلب والنهب وانتهاك الأعراض، ومن خططوا وحرّضوا ونفذوا، يصولون ويجولون اليوم بلا استجواب ولا محاسبة. ويظهرون في المناسبات، ويتحدثون عن الوطنية، وكأن شيئًا لم يكن.

هذه ليست عدالة؛ فالعدالة لا تكيل بمكيالين.

حين يُسجن البريء بسبب هويته، ويُترك المجرم بسبب منصبه، فاعلم أن القانون أصبح أداة للانتقام، لا أداة للإنصاف.

في بداية الحرب، رفضت السلطات استخراج وثائق ثبوتية وأوراق هوية لأبناء هذه المكونات، وارتبط تجديد جوازات سفرهم بإجراء «الفيش الأمني»، الذي قد يستغرق شهورًا، وهو في حقيقته فرز أمني على أساس إثني.

ومن لا يملك جواز سفر أو رقمًا وطنيًا لا يستطيع السفر أو العلاج أو تسجيل أبنائه في المدارس، فيصبح بلا هوية في وطنه.

ثم جاءت الملاحقات، والبلاغات الكيدية بالجملة، تحت اتهامات من بينها «التعاون مع الدعم السريع» أو «تقويض النظام العام». ويكفي أن ينتمي اسم عائلتك إلى قبيلة معينة حتى يتم توقيفك وتفتيش هاتفك واتهامك.

اعتُقل كثيرون لأشهر دون محاكمة، ثم أُفرج عنهم لعدم وجود بينة، لكن بعد أن فقدوا وظائفهم وبيوتهم وسمعتهم.

الخطر الأكبر يكمن في البُعد الاجتماعي طويل المدى.

ما يحدث اليوم هو زرع بذور فتنة أهلية لن تنتهي بانتهاء الحرب.

عندما يرفض التاجر البيع لزبون بسبب قبيلته، وعندما يرفض المعلم تدريس طفل بسبب لهجته، وعندما يصبح الجار مخبرًا على جاره، فنحن لا نحارب تمردًا، بل نهدم النسيج الاجتماعي السوداني نفسه.

هذه القبائل، التي تُعد جزءًا أصيلًا من تاريخ السودان، مثل الرزيقات والمسيرية والتعايشة والبني هلبة والسلامات وغيرها، قدّمت للدولة الجنود والرعاة والمزارعين.

إن اختزالها اليوم في قيادات عسكرية انخرطت في الحرب يُعد ظلمًا تاريخيًا. فالدعم السريع نفسه يضم في صفوفه أفرادًا من مختلف مكونات السودان، وكذلك الجيش.

إن معالجة هذا الملف لا تكون بالإنكار، بل بالاعتراف.

المطلوب قرارات واضحة تُجرّم خطاب الكراهية الإثني، وتوقف البلاغات الكيدية، وتسهّل استخراج الوثائق لكل سوداني دون تمييز، وتعيد للمواطن حقه في التنقل والعمل والسكن، بغض النظر عن قبيلته.

ستنتهي الحرب يومًا، وسيجلس القادة إلى طاولة المفاوضات، لكن الجرح الإثني، إذا لم يُعالج اليوم، سيبقى ينزف لعقود.

لا يمكن بناء سودان جديد بإقصاء مكوناته.

العدالة لا تعني الانتقام من قبيلة، بل محاسبة الفرد على فعله، لا على أصله.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.