البرهان يساوم على سيادة السودان لإرضاء حكومة السيسي

سيف الدولة كمال

 

اطلعت أمس على وثيقة صادرة عن الأمانة العامة لمجلس السيادة في سلطة الأمر الواقع، مؤرخة في 11 مايو 2025، تتضمن توجيهات من رئيس المجلس، قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بشأن اعتماد خريطة تُدرج مثلث حلايب ضمن الحدود المصرية، في إطار ترسيم الحدود البحرية بين السودان والمملكة العربية السعودية. وتشير الوثيقة إلى أن القرار جاء باتفاق بين البرهان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وتبرر الخطوة بأنها تحقق مصلحة البلدين وتنهي خلافاً استمر لعقود.

ويثير مضمون الوثيقة، إذا ثبتت صحتها، قلقاً بالغاً وتساؤلات جوهرية حول السيادة الوطنية، وحدود صلاحيات السلطة القائمة، ومدى شرعية اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالأرض السودانية بعيداً عن الشعب ومؤسسات الرقابة والمساءلة.

هل يعي البرهان أن مثلث حلايب ليس قطعة أرض يمكن التصرف فيها بقرار إداري صادر عن سلطة الأمر الواقع، أو بتفاهم سياسي بينه وبين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي؟ إنه إقليم متنازع عليه بين السودان ومصر، وظل موضع خلاف لعقود طويلة، وتمسكت الحكومات السودانية المتعاقبة بالموقف السوداني بشأنه.

وعليه، فإن أي توجه لتغيير هذا الموقف أو اعتماد خريطة تُدرج المثلث ضمن الحدود المصرية لا يمكن اعتباره إجراءً فنياً عادياً، بل قضية سيادية تستوجب توضيحاً قانونياً وسياسياً شاملاً.

إن وصف الخلاف بأنه «عقبة ينبغي إنهاؤها» لا يبرر بالضرورة التخلي عن المطالب الوطنية. فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على التنازلات غير المعلنة أو الصفقات الغامضة، وإنما على التفاوض المسؤول والاحترام المتبادل والالتزام بالقانون. وإذا كانت هناك تسوية مقترحة، فمن حق السودانيين معرفة تفاصيلها وأسسها والجهات التي أجازتها.

والأكثر إثارة للقلق في الوثيقة هو الإشارة إلى أن القرار جاء باتفاق بين البرهان والسيسي، الأمر الذي يطرح أسئلة مباشرة عن طبيعة هذا الاتفاق، والجهة التي فوضت رئيس مجلس السيادة باتخاذ مثل هذه الخطوة، وما إذا كانت المؤسسات القانونية والفنية المختصة قد شاركت في مناقشته.. ظل قائد الجيش السوداني يرفع شعارات الدفاع عن السيادة الوطنية ورفض التدخلات الخارجية، لكن هذه الشعارات فقدت مصداقيتها بمجرد صدور الخطاب الذي يمس سيادة الحدود والحقوق الإقليمية جرى الاتفاق عليها بعيداً عن الرقابة العامة.. وتزداد خطورة القضية في ظل الحرب التي مزقت السودان، وأضعفت مؤسساته، وشردت ملايين المواطنين. ففي الوقت الذي ينتظر فيه السودانيون حماية أرواحهم واستعادة الأمن والخدمات، تبرز تساؤلات بشأن وثيقة تتناول مصير منطقة ذات حساسية تاريخية وسياسية كبيرة.

الحرب لا تمنح أي سلطة تفويضاً مفتوحاً للتصرف في القضايا الوطنية المصيرية، ولا تبرر تجاوز المؤسسات أو حرمان المواطنين من معرفة ما يجري باسمهم. بل إن الظروف الاستثنائية تفرض مزيداً من الشفافية والمساءلة، وضمانات تحول دون تمرير قرارات استراتيجية من دون نقاش عام.

ولا ينبغي تحويل هذه القضية إلى مواجهة مع الشعب المصري، الذي تربطه بالسودانيين علاقات تاريخية واجتماعية وإنسانية عميقة. لكن الحفاظ على علاقات حسن الجوار لا يعني الصمت عن أي خطوة قد تمس الحقوق السودانية.

فالعلاقات المتوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والوضوح والتفاوض وفق الأطر القانونية، لا على تفاهمات غامضة تثير الشكوك حول مستقبل الأراضي المتنازع عليها.

وإذا كان هناك اتفاق أو مقترح لتسوية النزاع بشأن حلايب، فإن من حق المواطنين معرفة مضمونه وأسبابه والضمانات القانونية التي تحكمه، ومدى توافقه مع المصلحة الوطنية السودانية. فحلايب ليست ملكاً لشخص أو سلطة، ولا ورقة للمساومة السياسية، ولا ملفاً يمكن إغلاقه بمجرد اتفاق بين رئيسين.

في الواقع، تتجاوز القضية حدود الخلاف على خريطة لتصبح اختباراً حقيقياً للسيادة والمساءلة في السودان. ومن حق السودانيين أن يعرفوا: هل اتُّخذ قرار بشأن حلايب؟ ومن اتخذه؟ وبأي تفويض؟ ولمصلحة من؟ فالوطن ليس طاولة صفقات، والأرض ليست ملكاً لسلطة الأمر الواقع في بورتسودان، وحقوق الأجيال لا يجوز أن تُحسم خلف الأبواب المغلقة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.