في الوقت الذي يدفع فيه السودانيون ثمن حرب مدمرة بالجوع والنزوح وفقدان الأمن والكرامة، تبدو سلطة بورتسودان، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مستعدة للمضي في تحالفاتها الإقليمية، حتى عندما تثير قراراتها تساؤلات خطيرة بشأن السيادة الوطنية ومصير الأراضي والموارد السودانية.
فمن حلايب وشلاتين إلى مشروعات الأراضي الزراعية، وصولاً إلى استهداف المعدّنين السودانيين قرب الحدود المصرية، تتراكم الوقائع والأسئلة حول طبيعة العلاقة بين البرهان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي: هل بات الحفاظ على كرسي السلطة وكسب الدعم السياسي والعسكري مقدّماً على حماية حقوق السودانيين؟ وهل أصبحت السيادة الوطنية ورقة تفاوض في معركة البقاء في الحكم، بينما يواجه ملايين المواطنين الجوع والقهر ويُتركون لمواجهة مصيرهم؟
وبين نزاع حلايب وشلاتين المستمر منذ عقود، ومشروعات الاستثمار الزراعي، والتنافس على موارد الذهب في المناطق الحدودية، تبرز معضلة تتجاوز العلاقات الثنائية إلى سؤال جوهري: هل تحولت حماية كرسي السلطة في بورتسودان والخرطوم، وكسب الدعم الإقليمي، إلى أولوية تتقدم على حماية السيادة السودانية وحقوق المواطنين؟
وهو ما تثيره الوثيقة المؤرخة في 11 مايو 2025، والصادرة عن الأمانة العامة لمجلس السيادة السوداني، والممهورة بتوقيع الأمين العام السابق، الفريق محمد الغالي؛ إذ تشير، بحسب مضمونها المتداول، إلى توجيه من رئيس مجلس السيادة بشأن اعتماد خريطة تجعل مثلث حلايب ضمن الحدود المصرية، في سياق ترسيم الحدود البحرية بين السودان والمملكة العربية السعودية.
وثيقة حلايب.. تنازل أم اختبار للسيادة؟
بحسب الوثيقة المؤرخة في عام 2025، والموجهة إلى رئيس لجنة المفوضية القومية للحدود، فإن توجيه قائد الجيش، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ينص على اعتماد خريطة تضع مثلث حلايب ضمن حدود جمهورية مصر العربية.
وتشير الوثيقة كذلك إلى أن القرار جاء باتفاق بين رئيس مجلس السيادة في سلطة الأمر الواقع ببورتسودان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأن من شأنه إنهاء خلاف استمر لعشرات السنين.
ومن الواضح أن وراء هذه الوثيقة وتوقيت صدورها تساؤلات بشأن قرارات أخرى صدرت عن بورتسودان، يُثار حولها جدل بشأن مدى تأثيرها في سيادة السودان وحقوق شعبه. ولذلك، فإن مضمون الوثيقة يثير تساؤلات خطيرة بشأن الأساس الدستوري والقانوني لأي قرار يمس الحدود والسيادة الوطنية، والجهات التي أجازته، وما إذا كانت هناك إجراءات رسمية أو اتفاقيات معلنة تدعمه.
وفي هذا الصدد، يرى محلل سياسي فضّل حجب اسمه، في حديث لـ«عين الحقيقة»، أن الوثيقة تشير بوضوح إلى خطورة استغلال قيادة الجيش لنفوذها في ظل سيطرتها العسكرية واستمرار الحرب، في الوقت الذي ينشغل فيه السودانيون بتدبير شؤون معاشهم وتأمين حياتهم. وأضاف المحلل: «لا بد من التحقق من مثل هذه المخاطبات التي ترتبط بسيادة السودان ومراجعتها»، داعياً إلى مراجعة موقف المفوضية القومية للحدود وفقاً للأطر القانونية والدستورية.
كما يقدم السجل الدبلوماسي مؤشراً مهماً؛ فقد واصلت مصر تأكيد مطالبتها بحلايب وشلاتين أمام مجلس الأمن، في خطاب مؤرخ في 27 يناير 2025، ما يعكس استمرار النزاع رسمياً.
والأخطر أن أي تسوية تمس الحدود لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها تفاهمًا شخصياً بين قائدين، أو ثمناً لعلاقة سياسية في ظل استمرار حرب 15 أبريل، بل بوصفها قضية سيادية تتطلب الشفافية والالتزام بالإجراءات القانونية اللازمة، وتفسيراً واضحاً للشعب السوداني.
الأراضي الزراعية.. شراكة اقتصادية أم اختلال في المصالح؟
لا يقتصر الجدل حول المصالح المصرية في السودان على الحدود؛ فقد شهدت العلاقات بين البلدين، على مدى سنوات، مشروعات زراعية واتفاقيات استثمار أثارت نقاشاً حول ملكية الأراضي، وأولويات الإنتاج، والجهة المستفيدة من المحاصيل.
وفي سبتمبر 2010، نشرت وكالة رويترز تقريراً عن اتفاق يتيح لشركات مصرية زراعة مليون فدان في مشروع الجزيرة، مع الإشارة إلى أن هذه الشركات ستحتاج إلى إبرام اتفاقاتها مع الحكومة السودانية. وأثار المشروع آنذاك مخاوف بشأن حقوق المزارعين وأراضيهم ومصير الإنتاج الزراعي.
وبحسب تقارير صحفية، ظهرت في نوفمبر 2025 معلومات جديدة عن خطة مصرية لزراعة ما يصل إلى مليون فدان في الولايات الشمالية السودانية خلال ثلاث سنوات، على أن تبدأ المرحلة الأولى بمساحة 250 ألف فدان، رهناً بتحسن الأوضاع الأمنية.
وفي هذا السياق، فإن هذه المشروعات، في حد ذاتها، لا تمثل دليلاً على بيع الأرض أو التنازل عن السيادة؛ فالاستثمار الزراعي يختلف قانونياً عن نقل الملكية.
لكن السؤال المشروع هو: ما شروط تخصيص الأراضي؟ ومن يملكها؟ وكيف تُحمى حقوق المزارعين السودانيين؟ وهل تضمن الاتفاقات الأمن الغذائي للسودان قبل تصدير المحاصيل إلى الخارج؟
في بلد يواجه ملايين مواطنيه الجوع والنزوح وانهيار مصادر الدخل، لا يمكن تقييم أي مشروع زراعي بحجم الاستثمار وحده، بل بما يحققه من فرص عمل وإنتاج محلي وحماية للحقوق وعائد للاقتصاد الوطني.
الذهب والحدود.. حين يصبح المعدّن السوداني الحلقة الأضعف
في أكتوبر 2026، انتقل الجدل من الاتفاقيات والمشروعات إلى مشهد أكثر دموية، بعد تقارير عن ضربات جوية استهدفت مواقع للتعدين الأهلي قرب الحدود المصرية السودانية.
ونقلت تقارير صحفية، في 11 أكتوبر، عن مجموعة «محامو الطوارئ» اتهامها الجيش المصري بتنفيذ غارات على مواقع يعمل فيها معدِّنون سودانيون، مع تقدير أولي بلغ 72 قتيلاً.
وتكتسب حادثة قصف مواقع المعدّنين السودانيين خطورتها من تكرار المواجهات في مناطق غنية بالذهب، حيث تتداخل الحدود المتنازع عليها، والتعدين الأهلي، والتهريب، ومصالح الشركات العاملة في القطاع. وفي يونيو 2026، تحدثت تقارير صحفية عن مقتل وإصابة معدّنين في ضربات قرب الحدود، بينما قالت السلطات المصرية إن عملياتها تستهدف أنشطة تعدين وعبور غير قانونية داخل أراضيها.
هنا تبرز أسئلة لا يجوز تجاوزها: أين تقع المواقع المستهدفة وفق الخرائط الرسمية؟ وما طبيعة الامتيازات التعدينية القريبة منها؟ وهل توجد شركات مصرية تعمل في المنطقة، وما حدود حقوقها؟ وهل نُفذت الضربات داخل الأراضي السودانية أم في منطقة متنازع عليها؟
وتذهب التقارير الصحفية إلى أن الهجمات المصرية نُفذت لحماية مصالح شركة مصرية بعينها، وهو ادعاء يستدعي التحقق من الأدلة والوقائع، ولا سيما في ظل الجدل بشأن التنازلات السيادية المحتملة التي تُنسب إلى قيادة الجيش السوداني.
وبالتالي، فإن مثل هذه الوقائع تضع سلطة بورتسودان أمام مسؤولية قانونية ووطنية تستوجب التحقيق المستقل، ونشر نتائجه، وتحديد المسؤوليات، وحماية المواطنين العاملين في التعدين، ومنع تحويل النزاع الحدودي إلى مبرر لإهدار أرواحهم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.