ماذا ينتظر الإخوان أكثر من دمار السودان؟

سيف الدولة كمال

 

ليس من المهم البحث عن إجابة لسؤال كيف اندلعت الحرب؟ ولا من الذي أطلق رصاصتها الأولى؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا ينتظر الإخوان أكثر من كل هذا الدمار الذي أصاب السودان؟ وأي مكسب سياسي يمكن أن يعادل وطناً تتهاوى أركانه، وشعباً يواجه الجوع والنزوح، ودولةً تتآكل مؤسساتها تحت وطأة الحرب والانقسام؟

لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً لصراعات السلطة، ولتغليب المصالح الحزبية والتنظيمية على المصلحة الوطنية. ومنذ سنوات طويلة، ظل السودان يدور في حلقة مفرغة من الأزمات، تتبدل فيها الوجوه والشعارات، بينما يبقى المواطن هو الخاسر الأكبر. واليوم، مع استمرار الحرب واتساع رقعة المأساة الإنسانية، يحق للسودانيين أن يسألوا كل القوى السياسية، وفي مقدمتها التيارات الإسلامية المرتبطة بتجربة حكم الإنقاذ: إلى متى سيظل الوطن رهينةً لمعارك النفوذ واستعادة السلطة؟

إن المأساة السودانية لا يمكن اختزالها في طرف واحد، ولا يجوز تجاهل مسؤولية الأطراف المسلحة والسياسية المختلفة عن استمرار الحرب وتعميق معاناة المدنيين. لكن من حق الشعب أن يحاسب كل من يسعى إلى توظيف هذه الحرب لتحقيق مكاسب سياسية، أو يرى في استمرارها فرصةً للعودة إلى الحكم، أو يضع حساباته التنظيمية فوق حق السودانيين في الحياة والأمن والاستقرار.

ماذا ينتظر الإخوان أكثر من بلدٍ تتشظى وحدته، ومدنٍ أنهكتها المعارك، وملايينٍ اقتُلعوا من بيوتهم؟ هل ينتظرون أن يتحول السودان إلى ذاكرة من الركام، وأن تصبح القرى التي كانت تنبض بالحياة أطلالاً صامتة؟ هل ينتظرون أن يفقد الشباب ما تبقى من أملهم في المستقبل، وأن تنشأ أجيال كاملة لا تعرف من الوطن سوى الخوف والفقد واللجوء؟ أم أن كل هذه الكلفة الإنسانية لا تزال، في حسابات بعض أصحاب المشاريع الأيديولوجية، أقل من ثمن التخلي عن حلم السلطة؟

إن أخطر ما في الحروب ليس فقط ما تخلّفه من دمار مادي، بل ما تزرعه في النفوس من كراهية، وما تحدثه من تصدعات في النسيج الاجتماعي، وما تتركه من جراح قد تحتاج عقوداً حتى تلتئم. فالسودان ليس مجرد أرض تتنازع عليها القوى، ولا غنيمة سياسية تتنافس التنظيمات على اقتسامها؛ إنه وطن يضم ملايين البشر، لهم الحق في أن يعيشوا بكرامة، وأن يختاروا حكامهم بإرادتهم الحرة، بعيداً عن الإكراه والسلاح واستغلال الدين.

لقد كشفت الحرب، بما حملته من مآسٍ، هشاشة الرهان على أن السلطة يمكن أن تكون غايةً تبرر كل الوسائل. فالسلطة التي تُطلب على حساب دماء المواطنين لا تمنح صاحبها شرعية، والعودة إلى الحكم عبر الفوضى لا تصنع استقراراً، كما أن توظيف الشعارات الدينية لا يعفي أي تنظيم من المساءلة عن مواقفه وسياساته وأدواره.

ومن هنا، فإن السؤال الموجّه إلى الإخوان ليس سؤالاً دعائياً أو مجرد خصومة سياسية، بل هو سؤال عن معنى المسؤولية الوطنية: هل لديهم الاستعداد للاعتراف بأن السودان أكبر من أي تنظيم؟ وهل يستطيعون تقديم مصلحة البلاد على حسابات العودة إلى المشهد السياسي؟ وهل يقبلون بدولة مدنية ديمقراطية، تُحسم فيها المنافسة عبر صناديق الاقتراع، وتخضع فيها جميع القوى للقانون، دون امتياز تنظيمي أو وصاية أيديولوجية؟

إن المطلوب ليس استبدال إقصاء بإقصاء، ولا بناء مستقبل السودان على الانتقام من تيار سياسي أو ملاحقة الناس بسبب معتقداتهم. المطلوب هو محاسبة عادلة وشفافة لكل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم والانتهاكات، وقطع الطريق أمام أي محاولة لاستغلال الحرب لإعادة إنتاج الاستبداد، أياً كان مصدرها أو الشعار الذي تتدثر به.

فالسودان لا يحتاج إلى معركة جديدة لتصفية الحسابات، بل يحتاج إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة على أسس المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والتداول السلمي للسلطة. ويحتاج إلى وقف الحرب، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، وتهيئة الطريق أمام سلام حقيقي لا يمنح مرتكبي الانتهاكات حصانةً من المحاسبة، ولا يحوّل دماء الضحايا إلى أوراق تفاوض.

أما الذين يراهنون على أن الإنهاك الشعبي سيجعل السودانيين يقبلون بأي سلطة تعيد إليهم قدراً من الأمن، فعليهم أن يدركوا أن الجوع والخوف والنزوح لا تمنح أحداً تفويضاً مفتوحاً للحكم. فالشعب الذي أنهكته الحرب قد يبحث عن النجاة أولاً، لكنه لن يتنازل إلى الأبد عن حقه في الحرية والعدالة والكرامة.

ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي أن تستوعبه جميع القوى السياسية هو أن الأوطان لا تُبنى بالانتصار على أنقاضها، وأن التنظيم الذي يربح جولةً سياسية بينما يخسر الوطن مستقبله لا يكون قد حقق نصراً حقيقياً. فليس هناك مكسب حزبي يستحق أن يفقد السودان وحدته، وليس هناك مشروع سياسي يبرر أن يتحول المواطن إلى ضحية دائمة لصراع لا تنتهي أطماعه.

ماذا ينتظر الإخوان أكثر من دمار السودان؟

إن كان المنتظَر هو العودة إلى السلطة، فإن السلطة التي تأتي فوق ركام الوطن لن تكون حلاً لأزمته. وإن كان الرهان على أن تطول الحرب حتى تتغير موازين القوى، فإن كل يوم إضافي من القتال يعني مزيداً من الدماء والخراب واتساعاً لجراح يصعب علاجها. وإن كان الأمل في أن ينسى السودانيون تجارب الماضي تحت ضغط الحاضر، فإن ذاكرة الشعوب قد تتألم، لكنها لا تُمحى بالشعارات.

لقد آن الأوان لأن يتقدم السودان على التنظيمات، وأن تتقدم حياة المواطنين على حسابات السلطة، وأن يصبح وقف الحرب مدخلاً لبناء دولة لا يهيمن عليها حزب، ولا يحتكرها جيش، ولا يختطف قرارها أي مشروع أيديولوجي.

إن السودان لا يحتمل مزيداً من المغامرات السياسية، ولا يملك ترف الانتظار حتى يكتمل الخراب. وما ينتظره شعبه ليس حاكماً جديداً يرفع شعار الخلاص، ثم يعيد إنتاج أسباب المأساة، بل وطنٌ آمن، ودولةٌ عادلة، وسلامٌ يحفظ كرامة الإنسان وحقه في الحياة.

فالسؤال الحقيقي لم يعد: من سيحكم السودان بعد الحرب؟ بل: هل سيبقى من السودان ما يستحق أن يُحكم، إذا استمرت القوى المتصارعة في تقديم السلطة على الوطن؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يواجهه الإخوان وغيرهم من أصحاب المشاريع السياسية، قبل أن يصبح الدمار أكبر من قدرة الجميع على الإصلاح، وقبل أن يدفع السودان ثمناً لا تستطيع الأجيال القادمة تعويضه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.