هل تتحول العودة إلى نزوح جديد؟.. حقيقة المأساة التي تختبئ خلف أرقام الواصلين

نورا عثمان

حين يقرر السوداني العودة إلى منزله في الخرطوم بعد سنوات عجاف من النزوح والشتات، فإنه لا يفعل ذلك ترفاً، بل استجابة لنداء الروح والحنين. لكن الواقع المرير الذي ينتظره على أعتاب العاصمة يطرح سؤالاً بالغ القسوة: هل تتحول هذه العودة الميمونة إلى فخ لنزوح جديد؟

إن الواقع الاقتصادي المأزوم في الخرطوم لا يترك مجالاً للرومانسية. فحين تعود الأسر لتصطدم بانعدام فرص العمل، وجنون أسعار السكن والمعيشة، واستنفاد آخر ما تبقى من مدخرات شحيحة، فإنها تجد نفسها أمام خيارات تقشعر لها الأبدان: إما البقاء في مكابرة صامتة نحو المجهول، أو حزم الأمتعة مجدداً نحو الهامش والشتات. هذه الاحتمالات القاسية لا تقف عند حدود الأسرة وحدها، بل تضرب في عمق النسيج الاجتماعي؛ فتتسبب في تفكك الروابط، وتعطيل تعليم الأطفال، وحرمان المرضى من أبسط حقوق العلاج، فضلاً عن إثقال كاهل المجتمعات المضيفة التي أصلًا تعاني الأمرين.

لهذا كله، فإن نجاح العودة لا يجب أن يُقاس بلغة الأرقام الصماء عن أعداد النازحين العائدين، بل بقدرة هذا المواطن على العيش بأمان وكرامة، وتأمين رغيف خبزه بجهده وعرقه.

فكيف ننقذ العائدين من هذه الورطة الاقتصادية المحدقة؟ الإجابة لا تكمن في المسكنات الإنسانية العابرة، بل تتطلب خطة وطنية متكاملة وشجاعة، تبدأ بحصر دقيق وشفاف لاحتياجات الأسر الأشد هشاشة، ولا تنتهي بتوفير قروض ميسرة ومنح صغيرة تعيد الحياة للورش والمتاجر المنزلية. كما أن تسريع إصلاح شبكات المياه، والكهرباء، والمدارس، والمستشفيات، بالتوازي مع دعم نقدي وغذائي عاجل، بات فرض عين على كل جهة تملك من أمر هذا الشعب شيئاً. إن الأمر يستدعي شراكة حقيقية ومنظمة بين السلطات، والقطاع الخاص، والمنظمات الإنسانية، بعيداً عن سياسات التسجيل الشكلي والاستعراض الإعلامي.

انتهاء مرحلة النزوح لا يعني أبداً انتهاء المأساة، والعودة إلى الجدران المهدمة لا تكفي وحدها لصناعة الحياة. إن التحدي الحقيقي الذي يواجهنا اليوم ليس في احتفالات استقبال العائدين، بل في منع تحول هذه العودة إلى مرحلة جديدة من العوز والتشرد والمهانة.

قضية العائدين يجب أن تُنتزع من دفاتر الإحصاء الباردة لتتربع على صدارة الأولويات الوطنية. فالسلام والاستقرار لا يكتملان بمجرد العودة الجغرافية إلى الوطن، بل حين يصبح الوطن قادراً على احتضان أبنائه، وحفظ كرامتهم، وتوفير أسباب العيش الكريم لهم قبل أن يعودوا ليفاجئوا بأنهم فروا من جحيم الحرب إلى جحيم الجوع!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.