حين يحارب الجهلُ التنوير: وزارة التربية بالجزيرة “تعوس” و”تسوط” في ظلام القرون الوسطى
حسن عبد الرضي
ليست الكارثة أن تنقص المدارس كتبُها، أو تعجز الفصول عن استيعاب تلاميذها، أو يئنّ المعلم تحت وطأة العوز؛ الكارثة الأكبر أن تصبح الجهة المسؤولة عن التعليم خصماً للمعرفة، وأن تتحول السلطة التي يُفترض أن تفتح نوافذ التنوير إلى أداة لإغلاقها!
هذا ما تضعه أمامنا واقعة إيقاف ورشة تدريبية بولاية الجزيرة، كما أوردها بيان لجنة المعلمين الصادر في ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦؛ واقعة تثير أسئلةً جدية عن طبيعة الإدارة التعليمية، وعلاقتها بالمعلم، وموقفها من التطوير المهني.
يقول البيان إن وزارة التربية والتعليم بالولاية أوقفت، بأمر مباشر من الوزير، ورشة عمل مشتركة بين المجلس الثقافي البريطاني واللجنة القومية للتدريب، كان يحاضر فيها الخبير التربوي الدكتور عمر محمد السنوسي، المدرب المعتمد لدى المجلس الثقافي البريطاني. ويضيف أن الواقعة أعقبتها تهديدات للمشاركين بالفصل، وقرار بالتبرؤ من الورشة، كما أوردت اللجنة، فنحن لسنا أمام خلاف إداري عابر، بل أمام سلوك يستوجب المساءلة: كيف تصبح ورشة لتطوير المعلمين مشكلةً تستدعي الإيقاف والتهديد، بدلاً من أن تكون فرصةً تستحق التشجيع؟
أيُّ منطقٍ تربوي هذا؟ وأيُّ فهمٍ للمسؤولية يجعل تعطيل التدريب أيسر من دعمه، ويجعل التهديد بديلاً عن الحوار، والقرار الفوقي بديلاً عن الإدارة الرشيدة؟
إن الجهل لا يقتصر على غياب المعلومة؛ فقد يتجلى، بصورة أخطر، في العجز عن إدراك قيمة المعرفة نفسها. وحين يتحول هذا العجز إلى سلطة إدارية، يصبح التطوير مصدر قلق، والمبادرة موضع اشتباه، والمعلم الذي يسعى إلى تحسين أدواته عرضةً للعقاب.
ذلك هو ظلام القرون الوسطى: أن تُحارب المصباح بدلاً من أن تسأل كيف تنير الغرفة!
والمفارقة أن هذا يحدث في ولاية الجزيرة، صاحبة التاريخ العريق في التعليم والعمل التربوي. فبدلاً من أن تتسابق مؤسساتها إلى بناء الشراكات وتوسيع فرص التدريب، يأتي خبر إيقاف ورشة مهنية ليضع الوزارة أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: هل تُقاس كفاءة الإدارة بقدرتها على فتح أبواب التعلم، أم بقدرتها على إصدار الأوامر وإخضاع العاملين؟
إن هيبة الوزارة لا تُصان بتهديد المعلمين، ولا تُبنى بإغلاق قاعات التدريب. الهيبة الحقيقية ثمرة الكفاءة والعدل والشفافية. أما السلطة التي تستمد حضورها من التخويف، فإنها قد تفرض الصمت، لكنها لا تصنع احتراماً، ولا تبني مؤسسةً قادرة على النهوض.
والمعلم ليس ترساً في ماكينة إدارية، ولا موظفاً مهمته تنفيذ التعليمات بلا سؤال. إنه حامل رسالة، وصانع وعي، وشريك أصيل في بناء المستقبل. وتطويره المهني ليس ترفاً ولا منحةً من مسؤول، بل ضرورة تفرضها طبيعة التعليم وحق التلاميذ في معرفة أفضل.
فإذا كانت هناك تحفظات إجرائية بشأن الورشة، فلتُعلن أسبابها، وتُناقش وفق اللوائح والمعايير المهنية. أما إيقاف النشاط وتهديد المشاركين، فلا يقدمان جواباً عن تلك التحفظات؛ بل يفتحان باباً أوسع للسؤال عن حدود السلطة، وحقوق العاملين، ومعايير اتخاذ القرار.
المؤسسات القوية لا تخشى المعرفة، والإدارات الواثقة لا ترتعب من المبادرات، والمسؤول الكفء لا يحتاج إلى تخويف المعلمين كي يثبت أنه مسؤول.
ويزداد الأمر خطورةً في بلدٍ أنهكت الحرب تعليمه، ودمّرت مدارسه، وشرّدت معلميه وتلاميذه. في مثل هذه الظروف، ينبغي أن تكون كل فرصة للتدريب مكسباً، وكل شراكة نافعة رصيداً، وكل مبادرة لتأهيل المعلمين خطوةً نحو استعادة ما تهدّم. فهل ينقص التعليم السوداني مزيدٌ من التعطيل، أم يحتاج إلى إدارة تحرر طاقات المعلمين وتستثمر خبراتهم؟
إن ولاية الجزيرة لا تحتاج إلى معركة مع المعلمين، بل إلى معركة مع الجهل وسوء الإدارة. ولا تحتاج إلى مسؤولين ينشغلون بفرض سلطانهم على القاعات، بل إلى قيادة تربوية تجعل من تحسين التعليم أولويتها، ومن كرامة المعلم خطاً لا يجوز تجاوزه.
ومن هنا، فإن المطلوب واضح: توضيح رسمي لأسباب إيقاف الورشة، ومراجعة أي قرارات تعسفية، وضمان عدم معاقبة المشاركين لمجرد سعيهم إلى التطوير المهني، وفتح المجال أمام لجنة المعلمين والجهات المختصة لمعالجة القضية بشفافية ومسؤولية.
فالدفاع عن التعليم لا يكون بالشعارات وحدها، بل بتثبيت الوقائع، ومساءلة المسؤولين، وحماية حق المعلم في التعلم والتطوير. وهذه مسؤولية لا تسقط بالتبريرات الإدارية، ولا ينبغي أن تُختزل في خلاف بين أفراد؛ لأنها تتصل بمستقبل أجيال كاملة.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب التعليم أن تتأخر مؤسساته عن العالم؛ والأخطر من ذلك أن تحارب الوسائل التي تساعدها على اللحاق به.
يا مسؤولي التعليم في الجزيرة: افتحوا النوافذ، ولا تحاربوا الضوء! فالمعرفة ليست خصماً للوزارة، والتدريب ليس تمرداً على سلطتها، والمعلم ليس عدواً ينبغي إخضاعه.
أما أن يُترك التعليم أسيراً لعقلية تخشى التنوير وتضيق بالتطوير، فذلك هو العبث بعينه؛ عبثٌ لا يدفع ثمنه المسؤول وحده، بل يدفعه المعلم في كرامته، والتلميذ في فرصته، والمجتمع في مستقبله.
إذا كان بعض القائمين على التعليم قد اختاروا أن يعوسوا في ظلام القرون الوسطى، فليس من حقهم أن يطفئوا المصابيح في وجوه المعلمين، أو أن يجرّوا أجيال الجزيرة إلى العتمة معهم!
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.