تعيش أسر سودانية مقيمة في مصر حالة من القلق والترقب، مع مغادرة بعض أبنائها إلى ليبيا بحثاً عن فرص عمل وتحسين أوضاعهم المعيشية، فيما يسعى آخرون إلى اتخاذها محطة عبور نحو أوروبا عبر طرق الهجرة غير النظامية، وسط مخاطر الاحتجاز والابتزاز والعنف والغرق، فضلاً عن احتمالات انقطاع الاتصال لفترات طويلة.
وتعكس هذه الرحلات أزمة إنسانية تتجاوز قرار الهجرة، إذ تتداخل فيها تداعيات الحرب السودانية، وضغوط اللجوء، وارتفاع تكاليف المعيشة، ومحدودية فرص العمل، مع تطلعات الشباب إلى مستقبل أكثر استقراراً.
وبحسب إفادات أسر سودانية، يغادر بعض الشباب دون إبلاغ ذويهم بتفاصيل وجهتهم، خشية اعتراضهم على القرار أو محاولة منعهم من السفر. وتقول الأسر إن تدني الأجور وعدم انتظامها، وارتفاع تكاليف السكن والمعيشة، وسوء المعاملة في بعض أماكن العمل، إلى جانب الضغوط الاجتماعية والتدخل في الخصوصية، تدفع بعض الشباب إلى البحث عن بدائل خارج مصر.
وتتضاعف معاناة الأسر عندما تنقطع الاتصالات بأبنائها أو تتأخر أخبارهم، فتجد نفسها أمام أسئلة بلا إجابات بشأن أماكن وجودهم وظروفهم المعيشية، وما إذا كانوا قد وصلوا إلى وجهتهم أم واجهوا مخاطر خلال الطريق.
وفي ظل غياب معلومات مؤكدة عن بعض الحالات، يصعب تحديد عدد الشباب الذين غادروا إلى ليبيا أو الذين انقطعت أخبارهم. كما لا تتوافر بيانات موثقة تحدد نسبة من يقصدون ليبيا للعمل مقارنة بمن يسعون إلى مواصلة الرحلة نحو أوروبا.
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، أصبحت مصر إحدى أبرز وجهات السودانيين الفارين من القتال. وأدى النزوح إلى زيادة الضغوط على الأسر التي اضطرت إلى بدء حياة جديدة بعيداً عن منازلها ومصادر دخلها وشبكات الدعم الاجتماعي التي كانت تعتمد عليها.
ولا يعني الوصول إلى مكان أكثر أماناً انتهاء المعاناة؛ إذ تواجه الأسر تحديات تتعلق بتأمين السكن والغذاء والعلاج والتعليم، إلى جانب صعوبة الحصول على فرص عمل مستقرة تكفي لتغطية احتياجاتها الأساسية.
وتزداد هذه الصعوبات لدى الأسر التي استنزفت مدخراتها خلال النزوح، أو فقدت معيلها، أو تعيش على دخول محدودة لا تتناسب مع تكاليف الحياة. وفي ظل هذه الظروف، قد يرى بعض الشباب في السفر إلى ليبيا فرصة لتحسين أوضاعهم، بينما يعتبره آخرون خطوة أولى نحو الوصول إلى أوروبا.
غير أن محدودية الخيارات الآمنة قد تجعل بعضهم أكثر عرضة للوعود المضللة التي يقدمها وسطاء الهجرة، خصوصاً عندما تكون قرارات السفر مدفوعة باليأس أو الحاجة العاجلة إلى المال.
وتُعد ليبيا وجهة للعمل في قطاعات مختلفة، كما تمثل محطة عبور لبعض المهاجرين الراغبين في الوصول إلى أوروبا. لكن ظروف العمل والتنقل داخل البلاد قد تنطوي على مخاطر كبيرة، خاصة بالنسبة إلى المهاجرين الذين يفتقرون إلى الحماية القانونية أو يعتمدون على وسطاء غير موثوقين.
ووفقاً لبيانات المنظمة الدولية للهجرة، رصدت المنظمة نحو 894,890 مهاجراً في ليبيا خلال يوليو 2025، وكان السودانيون يشكلون نحو 35% من إجمالي المهاجرين الذين شملهم الرصد.
وتشمل المخاطر التي قد يتعرض لها المهاجرون الاحتجاز التعسفي والابتزاز والاتجار بالبشر والعمل القسري والعنف. وقد يجد بعضهم نفسه في ظروف يصعب معها التواصل مع أسرته أو طلب المساعدة، خاصة إذا لم تكن لديه معلومات كافية عن مكان العمل أو الجهة التي يتعامل معها.
ولا تنتهي المخاطر عند الوصول إلى الأراضي الليبية؛ فبالنسبة إلى الراغبين في عبور البحر المتوسط، تبدأ مرحلة أخرى شديدة الخطورة، في ظل استخدام قوارب غير آمنة واحتمالات الغرق أو الاعتراض، فضلاً عن خطر الوفاة أو الفقدان.
وبالنسبة إلى الأسر التي تنقطع أخبار أبنائها، يتحول الانتظار إلى معاناة يومية تتخللها محاولات متكررة للاتصال والبحث لدى الأقارب والمعارف. وفي بعض الحالات، لا تملك الأسرة معلومات كافية لمعرفة ما إذا كان ابنها يعمل في ليبيا، أو محتجزاً، أو غادر باتجاه أوروبا.
وتطالب أسر سودانية بتوسيع برامج التمكين الاقتصادي والتدريب المهني، وتوفير فرص كسب العيش للاجئين في مصر، بما يساعد الشباب على مواجهة الأعباء المعيشية ويحد من اضطرارهم إلى سلوك طرق الهجرة الخطرة.
كما تبرز الحاجة إلى تطوير آليات للإبلاغ عن المفقودين ومتابعة حالاتهم، وتقديم الدعم القانوني والإنساني لأسرهم، وتعزيز التنسيق بين الجهات المختصة والمنظمات الدولية لتسهيل الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالمفقودين.
وتتطلب معالجة هذه الأزمة أكثر من التحذير من مخاطر الهجرة؛ فهي تستلزم توفير بدائل عملية وآمنة تشمل فرص العمل والتدريب والحماية الاجتماعية، إلى جانب توعية الشباب بمخاطر شبكات التهريب وضرورة التحقق من عروض العمل قبل السفر.
وتكشف رحلة بعض الشباب السودانيين من مصر إلى ليبيا عن أزمة تتقاطع فيها آثار الحرب مع صعوبات اللجوء وضيق الفرص الاقتصادية. وبين الأمل في الحصول على عمل وتحقيق الاستقرار، تواجه أسر كثيرة مخاوف فقدان الاتصال بأبنائها أو تعرضهم لمخاطر لا تملك القدرة على حمايتهم منها.
ولا يكمن الحل في مطالبة الشباب بالتخلي عن أحلامهم فحسب، بل في توسيع الخيارات المتاحة أمامهم، وتوفير سبل العيش والحماية، وتطوير آليات فعالة للبحث عن المفقودين.
فحين يصبح السفر مخاطرة اضطرارية في نظر بعض الشباب، تبدأ حماية الأرواح بمعالجة الظروف التي تدفعهم إلى الرحيل، وضمان ألا يتحول البحث عن الرزق والأمان إلى رحلة تنتهي بمصير مجهول.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.