تضع زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي في سلطة بورتسودان وقائد الجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إلى العاصمة الروسية موسكو، ملف القاعدة البحرية الروسية المحتملة على ساحل البحر الأحمر في دائرة الاهتمام مجدداً، وسط تساؤلات بشأن مستقبل التعاون العسكري بين البلدين، وحدود التوازن بين احتياجات الحرب والمصالح الاستراتيجية للسودان. ووصل البرهان إلى موسكو، الخميس 29 أكتوبر 2026، للمشاركة في القمة الروسية الأفريقية الثالثة، في وقت يواجه فيه السودان حرباً مستمرة وأزمة اقتصادية وإنسانية متفاقمة، تتجلى في تراجع الخدمات الأساسية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتضرر قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي.
وتثير الزيارة تساؤلات بشأن طبيعة الملفات المطروحة على طاولة المباحثات، وما إذا كانت الخرطوم تسعى إلى الحصول على دعم عسكري روسي إضافي، أم إلى إعادة فتح ملف القاعدة البحرية، الذي ظل موضع تفاوض وتجاذب خلال السنوات الماضية. وبحسب وكالة السودان للأنباء، يرافق البرهان وفد يضم وزيري الخارجية والمالية، ومدير جهاز المخابرات العامة، ومدير منظومة الصناعات الدفاعية. ويعكس تشكيل الوفد تعدد الملفات المحتمل بحثها، لكنه لا يشكل دليلاً على استئناف المفاوضات بشأن القاعدة.
القاعدة الروسية.. اتفاق معلّق بين التفاهمات والمصالح
تعود جذور مشروع القاعدة البحرية الروسية إلى عهد الرئيس السابق عمر البشير، قبل أن يتبلور في اتفاق عام 2020 لإنشاء مركز للدعم اللوجستي للبحرية الروسية على الساحل السوداني. وفي فبراير 2025، نقلت تقارير إعلامية عن وزير الخارجية السوداني آنذاك، علي يوسف، أن التفاهم بشأن القاعدة لا يزال قائماً، وأن استكمال إجراءات التصديق يمثل إحدى الخطوات المتبقية.
وفي ديسمبر 2025، نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال»، بحسب ما أوردته الجزيرة نت، عن مسؤولين سودانيين أن الخرطوم عرضت على موسكو اتفاقاً يمتد 25 عاماً، يتيح وجوداً بحرياً روسياً مقابل الحصول على أسلحة متقدمة بشروط تفضيلية، إلى جانب استثمارات محتملة في قطاعي التعدين والذهب. في المقابل، نقل موقع «سودان تربيون» عن مصدر عسكري سوداني أن المشروع جُمّد، كما أورد الموقع، استناداً إلى مصادر خاصة، معلومات تفيد بأن البرهان طمأن السعودية إلى استمرار تجميد خطط إقامة قواعد عسكرية أجنبية على البحر الأحمر. وتعكس هذه التطورات مساراً لم يُحسم نهائياً، تتداخل فيه تفاهمات سابقة وتقارير عن عروض متبادلة ومعلومات بشأن تجميد المشروع. غير أن زيارة موسكو، في حد ذاتها، لا تثبت استئناف المفاوضات أو التوصل إلى اتفاق جديد.
احتياجات الحرب وضغوط الاقتصاد
تأتي التحركات السودانية نحو موسكو في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية بالغة الصعوبة، إذ أدت الحرب إلى تراجع الإنتاج وتعطيل الأنشطة التجارية والزراعية والصناعية، فضلاً عن تفاقم الضغوط المعيشية على المواطنين. وفي هذا السياق، قد يمثل الحصول على أسلحة متطورة أولوية عسكرية للقيادة السودانية في حربها مع قوات الدعم السريع، لكن أي تفاهم يربط التسليح بامتيازات استراتيجية طويلة الأجل يثير تساؤلات بشأن حجم المكاسب والتكاليف. فالتعاون العسكري لا يُقاس فقط بما يوفره من أسلحة أو دعم لوجستي، بل أيضاً بطبيعة الالتزامات المقابلة، ومدتها، ومدى تأثيرها في استقلال القرار الوطني مستقبلاً.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بموقع استراتيجي مثل البحر الأحمر، الذي تتقاطع فيه المصالح الدولية والإقليمية، وتكتسب الممرات البحرية القريبة منه أهمية عسكرية واقتصادية متزايدة. ومن ثم، يتمثل التحدي أمام الخرطوم في تلبية احتياجاتها الدفاعية من دون تحويل الضغوط الراهنة إلى التزامات قد تحد من خيارات الدولة بعد انتهاء الحرب.
من عهد البشير إلى البرهان.. إدارة القرار السيادي
تعيد الزيارة إلى الواجهة النقاش بشأن السياسة الخارجية التي انتهجها نظام عمر البشير، والتحالفات التي اعتمد عليها لتعزيز قدراته العسكرية والسياسية. وخلال عهد البشير، شهد السودان تحولات عميقة، كان أبرزها انفصال جنوب السودان عام 2011، عقب استفتاء تقرير المصير المنصوص عليه في اتفاقية السلام الشامل.
ولا يمكن اختزال الانفصال في قرار أحادي اتخذه النظام السابق، إذ جاء نتيجة مسار سياسي وقانوني معقد. ومع ذلك، تظل تجربة تلك المرحلة حاضرة في النقاش بشأن إدارة الملفات الوطنية المصيرية. أما المقارنة مع البرهان، فتتعلق أساساً بمدى مشاركة المؤسسات الوطنية في اتخاذ القرارات الاستراتيجية، وليس بالافتراض أن أي اتفاق بشأن قاعدة أجنبية سيؤدي بالضرورة إلى نتائج مماثلة. فإنشاء قاعدة عسكرية أجنبية لا يعني تلقائياً التنازل عن ملكية الأرض أو السيادة القانونية عليها، لكن شروط الاتفاق ومدته والحقوق الممنوحة للقوات الأجنبية قد تؤثر في قدرة الدولة على ممارسة سيادتها بصورة مستقلة. ولهذا، تبرز أهمية إخضاع أي اتفاق محتمل للرقابة القانونية والمؤسسية، وضمان الشفافية بشأن الالتزامات التي قد تترتب عليه.
لماذا تريد روسيا موطئ قدم على البحر الأحمر؟
يمثل البحر الأحمر ممراً حيوياً للتجارة الدولية وحركة الطاقة والسفن، ويرتبط بمسارات بحرية رئيسية عبر قناة السويس وباب المندب. ومن شأن إقامة منشأة بحرية روسية على الساحل السوداني أن تمنح موسكو فرصة لتعزيز حضورها العسكري واللوجستي في أفريقيا، وتوسيع نفوذها في منطقة تتنافس فيها قوى دولية وإقليمية على المصالح الأمنية والاقتصادية.
في المقابل، قد تسعى الخرطوم إلى توظيف علاقاتها مع موسكو للحصول على أسلحة ودعم سياسي وتعاون اقتصادي يساعدها في مواجهة تحديات الحرب. لكن أهداف الطرفين ليست متطابقة بالضرورة؛ فروسيا تسعى إلى تعزيز حضورها الاستراتيجي طويل الأجل، بينما يحتاج السودان إلى إنهاء الحرب وإعادة الإعمار واستعادة الاستقرار الاقتصادي. ويعتمد توازن هذه العلاقة على قدرة السودان على التفاوض وفق شروط واضحة، تضمن تناسب المكاسب العسكرية والاقتصادية مع الالتزامات المترتبة عليها.
ثلاثة مسارات محتملة
في غياب إعلان رسمي موثق عن اتفاق جديد، تظل ثلاثة سيناريوهات مطروحة بشأن مستقبل العلاقات السودانية الروسية. يتمثل الأول في إعادة فتح ملف القاعدة البحرية ضمن تفاهم أوسع للحصول على أسلحة متطورة أو شروط تسليح تفضيلية، وهو احتمال لا تثبته المعلومات المتاحة بشأن الزيارة الحالية. أما الثاني، فيقوم على توسيع التعاون العسكري والتقني مع استمرار تجميد مشروع القاعدة، بما يتيح للخرطوم تعزيز قدراتها الدفاعية من دون الالتزام بإنشاء منشأة روسية دائمة. ويتمثل الثالث في إعطاء الأولوية للتعاون الاقتصادي والاستثمارات والتعدين والعلاقات الدبلوماسية، مع تأجيل القرارات المتعلقة بالوجود العسكري إلى مرحلة لاحقة. وتظل هذه السيناريوهات احتمالات تحليلية، في انتظار ما قد تكشفه البيانات الرسمية بشأن نتائج الزيارة.
البحر الأحمر.. اختبار للسيادة الوطنية
لا تقتصر مسألة القاعدة الروسية على التعاون بين مؤسستين عسكريتين، بل تتصل بالأمن القومي السوداني، ومستقبل العلاقات الخارجية، وحق الدولة في إدارة مواردها ومواقعها الاستراتيجية. ويستدعي أي اتفاق محتمل توضيح المقابل الذي سيحصل عليه السودان، ومدة الاتفاق، وشروط إنهائه أو تعديله، والحقوق التي ستُمنح للطرف الأجنبي، فضلاً عن الضمانات التي تحول دون استخدام المنشأة في ترتيبات تتعارض مع المصالح السودانية.
كما تبرز الحاجة إلى ضمان مشاركة المؤسسات الوطنية المختصة في تقييم الاتفاقات ذات الأثر الاستراتيجي، وإتاحة المعلومات اللازمة لمساءلة المسؤولين عن القرارات المصيرية. ولا تتوافر أدلة معلنة كافية للجزم بأن البرهان يسعى إلى إبرام صفقة تمنح روسيا قاعدة بحرية مقابل السلاح، كما لا يمكن اعتبار أي تفاهم محتمل تنازلاً عن السيادة قبل الاطلاع على بنوده وشروطه.
لكن تاريخ المشروع والتقارير المتعلقة بمقايضة محتملة بين التسليح والوجود البحري يجعلان الملف جديراً بالمتابعة والتدقيق. وفي ظل الحرب والأزمة الاقتصادية، يبقى الاختبار الحقيقي لزيارة موسكو هو مدى قدرتها على تحقيق مكاسب تساعد السودان على استعادة الاستقرار، من دون تحميله التزامات استراتيجية غير متوازنة. ويبقى السؤال: هل تنجح بورتسودان في توظيف علاقتها مع موسكو لخدمة مصالحها الوطنية، أم تتحول الحاجة إلى السلاح إلى مدخل لتفاهمات طويلة الأجل قد تقيّد خيارات السودان في المستقبل؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.