الجنيه السوداني يطارد اللاجئين في كمبالا.. تآكل المدخرات وغلاء المعيشة يضاعفان معاناة السودانيين
تقرير: عين الحقيقة
تراجع القوة الشرائية، وارتفاع أسعار السلع، وانكماش النشاط التجاري.. ثلاثة تحديات تضغط على السودانيين في أوغندا وسط أزمتين متزامنتين في سوق الصرف، ولم تعد الأزمة الاقتصادية السودانية محصورة داخل حدود البلاد، بل امتدت آثارها إلى السودانيين الذين دفعتهم الحرب إلى اللجوء في الخارج، حيث يواجهون ضغوطاً معيشية متزايدة نتيجة تراجع قيمة الجنيه السوداني، وارتفاع تكاليف الحياة، وتراجع فرص العمل والنشاط التجاري.
وفي العاصمة الأوغندية كمبالا، تتداخل تداعيات الأزمة النقدية في السودان مع التقلبات التي يشهدها سعر صرف الشلن الأوغندي، لتضع شريحة واسعة من السودانيين أمام معادلة اقتصادية معقدة: نفقات يومية بالعملة المحلية، وموارد مالية تتراجع قيمتها عند تحويلها من الجنيه السوداني، في ظل اعتماد بعض الأسر على مدخراتها وتحويلات ذويها من الخارج. وبحسب الأرقام الواردة في البيانات المتداولة التي يستند إليها هذا التقرير، ارتفع سعر الدولار من نحو 3700 إلى 4300 شلن أوغندي خلال فترة قصيرة، في حين اقترب سعره في السوق السودانية من 10,050 جنيهاً. وهي أرقام تحتاج إلى التحقق من مصادرها وتواريخها قبل اعتمادها بوصفها أسعاراً مرجعية للسوق.
تراجع العملتين يضغط على ميزانيات الأسر
تتمثل إحدى أبرز المشكلات التي تواجه السودانيين في كمبالا في الفجوة بين مصادر الدخل وتكاليف المعيشة. فالأسر التي تعتمد على تحويلات بالجنيه السوداني أو إيرادات أعمال مرتبطة بالسوق السودانية تجد نفسها أمام تراجع متواصل في القوة الشرائية لأموالها، بينما تُسدد الإيجارات والمصروفات اليومية بالشلن الأوغندي، أو بالدولار في بعض المعاملات. ووفقاً للتقديرات الواردة في النص الأصلي، قد تحتاج أسرة مكونة من أربعة أفراد إلى نحو 500 دولار شهرياً لتغطية احتياجاتها الأساسية، بما يشمل السكن والغذاء والتعليم والكهرباء والمياه والعلاج.
وتشير التقديرات نفسها إلى أن إيجارات بعض المساكن في أحياء مثل كابالاغالا وكانسانغا ومينغو وكاومبي تتراوح بين 200 و300 دولار شهرياً، وهو ما يعني أن السكن وحده قد يستحوذ على نسبة كبيرة من ميزانية الأسرة، قبل احتساب بقية الالتزامات. وتختلف هذه التكاليف بحسب الحي وحجم المسكن وعدد أفراد الأسرة ومستوى الخدمات، الأمر الذي يجعل الأرقام مؤشرات تقديرية تحتاج إلى مسح ميداني لتحديد متوسط الإنفاق الفعلي للأسر السودانية في كمبالا.
ارتفاع أسعار السلع
لا تقتصر الضغوط المعيشية على الأسر التي تتلقى أموالها بالجنيه السوداني، بل تمتد إلى بعض الأسر التي تعتمد على تحويلات بالدولار من أوروبا والولايات المتحدة ودول الخليج. فحتى عندما تكون قيمة التحويلات ثابتة بالدولار، فإن ارتفاع أسعار السلع والخدمات محلياً يقلص قدرتها على تغطية الاحتياجات الأساسية. وتورد البيانات المتداولة زيادات في أسعار عدد من السلع، من بينها ارتفاع سعر كيلو لبن البودرة من 20 ألف شلن إلى 26 ألفاً، وزيادة سعر عبوة الدقيق الأبيض زنة كيلوغرامين من 7 آلاف إلى 9 آلاف شلن، فضلاً عن ارتفاع سعر عبوة الصابون المكونة من أربع قطع من 5 آلاف إلى 7 آلاف شلن.
سوق العمل.. منافسة وفرص محدودة
إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة، يواجه السودانيون تحديات في دخول سوق العمل الأوغندية، خصوصاً في ظل محدودية فرص التوظيف والمنافسة على الوظائف المتاحة، فضلاً عن القيود القانونية والإدارية المرتبطة بوضع الإقامة وتصاريح العمل. كما أن تأسيس مشروعات صغيرة لا يضمن تحقيق دخل مستقر، لا سيما في القطاعات التي تشهد تشابهاً في الأنشطة التجارية وتنافساً على قاعدة محدودة من العملاء.
وتزداد الصعوبات بالنسبة إلى أصحاب المشروعات السودانية التي تعتمد على حركة المسافرين والزوار والتحويلات القادمة من السودان أو من السودانيين المقيمين في دول أخرى. وفي هذا السياق، تورد البيانات الواردة في النص الأصلي تقديرات لرواتب بعض العمال الأوغنديين تتراوح بين 150 ألفاً و400 ألف شلن شهرياً. وتحتاج هذه الأرقام إلى مزيد من التحقق، إذ تختلف الأجور بصورة كبيرة بحسب القطاع وطبيعة الوظيفة وساعات العمل والخبرة.
تراجع النشاط التجاري
ارتبط جانب من النشاط التجاري السوداني في كمبالا بحركة السودانيين المقيمين في الخارج، سواء القادمين من دول الخليج أو أوروبا، إلى جانب الأموال المتدفقة من السودان. وكانت هذه الحركة توفر طلباً على السكن والخدمات والسلع والأنشطة التجارية التي يديرها سودانيون، كما أسهمت في تنشيط قطاعات مرتبطة بالسفر والإقامة والمعاملات التجارية. لكن الحرب السودانية وما صاحبها من اضطراب اقتصادي وتراجع الدخول وتعطل مصادر الرزق أضعفت قدرة كثير من الأسر على الإنفاق، فيما يمكن أن يؤدي تراجع السفر والتحويلات إلى انخفاض الطلب على الخدمات والمنتجات التي تستهدف الجالية السودانية.
الأرقام تكشف حجم تآكل القوة الشرائية
توضح المقارنة الواردة في النص الأصلي أن 100 ألف جنيه سوداني كانت تعادل نحو 200 دولار في بداية الحرب، استناداً إلى سعر صرف يبلغ 500 جنيه للدولار. أما عند سعر 10,050 جنيهاً للدولار، فإن المبلغ نفسه يعادل نحو 9.95 دولارات فقط. وهذا يعني أن القيمة الدولارية الاسمية لـ100 ألف جنيه تراجعت بنحو 95% بين سعري الصرف المذكورين. لكن المقارنة تحتاج إلى الانتباه إلى أن سعر الصرف قد يختلف بين السوق الرسمية والموازية، كما أن هذه النسبة لا تمثل وحدها التغير في تكلفة المعيشة أو مقدار الخسارة الفعلية لكل أسرة.
أزمة تتجاوز سعر الصرف
تكشف معاناة السودانيين في كمبالا عن جانب من التداعيات العابرة للحدود للحرب والأزمة الاقتصادية في السودان. فتراجع قيمة العملة لا ينعكس على المدخرات والتحويلات فحسب، بل يمتد إلى القدرة على دفع الإيجار، وتوفير الغذاء، واستمرار تعليم الأطفال، والحصول على الرعاية الصحية. كما أن محدودية فرص العمل وتراجع النشاط التجاري قد يجعلان التعافي أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأسر التي فقدت مصادر دخلها داخل السودان، ثم اضطرت إلى بناء حياة جديدة في بلد آخر.بالنسبة إلى كثير من السودانيين في كمبالا، لم تعد أزمة الجنيه السوداني مجرد تراجع في سعر العملة، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في تفاصيل الحياة اليومية، من السكن والغذاء إلى العمل والتعليم والعلاج. وبين تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة وضيق فرص الكسب، تتسع التحديات أمام الأسر التي تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في بلد اللجوء.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.