الاخضاع والاقناع
في الصراعات السياسية والعسكرية لا تكفي السيطرة على الأرض لضمان النصر. فقد تتمكن قوة ما من بسط نفوذها على مساحات واسعة، لكنها تعجز في الوقت نفسه عن إقناع الداخل والخارج بأنها قادرة على إدارة الدولة وحماية المدنيين وصياغة مستقبل مستقر. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين القوة الخشنة، التي تعتمد على السلاح والإكراه والسيطرة الميدانية، والقوة الناعمة، التي تقوم على الإقناع والدبلوماسية والإعلام والشرعية والقدرة على التأثير.
وفي الحالة السودانية الراهنة، تبدو هذه الثنائية حاضرة بقوة. فالميدان العسكري ظل عاملاً أساسياً في تحديد موازين القوى، غير أن المعركة لم تتوقف عند حدود الجبهات والمدن. فهناك معركة أخرى تدور في العواصم الأجنبية، ووسائل الإعلام، ومراكز الأبحاث، والمنظمات الدولية، وفضاء التواصل الاجتماعي. وفي هذه المساحات، لا يكون الطرف الأقوى بالضرورة هو من يسيطر على الأرض، بل من ينجح في فرض روايته باعتبارها التفسير الأكثر قبولاً للصراع.
القوة الخشنة لا تصنع الشرعية وحدها
تمنح القوة الخشنة صاحبها قدرة على الحسم السريع وفرض ترتيبات مؤقتة على الأرض. وهي ضرورية في كثير من النزاعات لحماية المواقع أو ردع الخصوم أو تأمين خطوط الإمداد. لكنها، مهما بلغت قوتها، تظل محدودة إذا لم تتحول إلى مشروع سياسي قادر على إنتاج الاستقرار.
فالسيطرة العسكرية قد تفرض الطاعة، لكنها لا تنتج بالضرورة الولاء. وقد يخضع السكان لسلطة ما خوفاً من السلاح أو عجزاً عن مقاومتها، من دون أن يعني ذلك اقتناعهم بمشروعها أو استعدادهم للدفاع عنه. ومع مرور الوقت، يمكن أن تتحول السيطرة الميدانية إلى عبء إذا ارتبطت بالفوضى أو الانتهاكات أو غياب الخدمات والمؤسسات.
لهذا، فإن القوة الخشنة تحتاج دائماً إلى غطاء سياسي وأخلاقي وإعلامي. ومن دون هذا الغطاء، يبقى الانتصار العسكري هشاً وقابلاً للتآكل، خصوصاً عندما يجد الخصم فرصة لتقديم نفسه بوصفه الطرف الأكثر التزاماً بحماية المدنيين أو احترام القانون أو السعي إلى السلام.
أزمة مشروع «تأسيس»: حضور ميداني وغياب الرواية الموحدة
أظهر مشروع «تأسيس»، أو القوى السياسية والعسكرية المتحالفة تحت مظلته، قدرة على تحقيق حضور ميداني في مناطق مختلفة. غير أن هذا الحضور لم يواكبه، وفقاً للنقد الموجه إليه، بناء منظومة متماسكة من القوة الناعمة.
المشكلة الأولى تمثلت في غياب خطاب سياسي وإعلامي موحد. فالتعدد في التصريحات والمواقف، وتناقض الرسائل الصادرة عن القوى الحليفة، جعلا من الصعب على الجمهور السوداني والمراقبين الدوليين فهم طبيعة الصراع وأهدافه النهائية. هل هو تحالف عسكري مؤقت؟ أم نواة لحكومة جديدة؟ أم منصة سياسية تسعى إلى إعادة بناء الدولة؟
إن عدم تقديم إجابة واضحة عن هذه الأسئلة أضعف صورة المشروع وأفقده جزءاً من قدرته على الإقناع.
أما المشكلة الثانية فتتعلق بالأداء الدبلوماسي. فالبيانات التي تكتفي بإدانة الخصوم أو نفي الاتهامات لا تكفي في بيئة دولية معقدة. فالتأثير الخارجي يحتاج إلى عمل طويل ومنظم، يشمل التواصل مع الحكومات، ومراكز الأبحاث، ووسائل الإعلام، والمنظمات الحقوقية، والبرلمانات، وشبكات السودانيين في الخارج. وفي غياب هذا الجهد، يترك الطرف السياسي الساحة مفتوحة أمام خصومه لصياغة الرواية التي يريدونها.
وتبرز كذلك مسألة الإدارة المدنية والحقوقية. فالصورة الدولية لأي قوة لا تتشكل من تصريحاتها فقط، بل من سلوكها في المناطق التي تسيطر عليها. طريقة التعامل مع السكان، وإدارة الخدمات، وحماية الممتلكات، واحترام الحريات، والتحقيق في الانتهاكات، كلها عناصر تؤثر في شرعية أي مشروع سياسي. ولذلك فإن التقدم العسكري لا يضمن تلقائياً القبول الشعبي أو الدولي.
الإسلاميون وشبكات التأثير غير المباشر
في المقابل، يقدّم حضور التيار الإسلامي في السودان مثالاً على قدرة التنظيمات السياسية على الاحتفاظ بالنفوذ حتى بعد فقدان السيطرة المباشرة على مؤسسات الدولة. وعلى الرغم من العزلة السياسية والعقوبات والاتهامات التي واجهها هذا التيار، فإنه حافظ على أدوات متعددة للتأثير، مستفيداً من تراكم تنظيمي وخبرة طويلة في إدارة الخطاب السياسي والإعلامي.
اعتمد التيار الإسلامي، بدرجات متفاوتة، على شبكات اجتماعية وتنظيمية واسعة، وعلى منظمات وواجهات إعلامية وإنسانية، فضلاً عن نشاط كوادره في الخارج. وقد مكّنه ذلك من الاستمرار في التأثير في النقاش العام، سواء عبر الخطاب السياسي المباشر أو من خلال المنصات الرقمية والفعاليات والروابط الاجتماعية.
كما استفاد من خبرة قديمة في التعبئة وتنظيم الأنصار وتوحيد الرسائل الإعلامية. وفي أوقات الأزمات، لا تقتصر المعركة على عرض الوقائع، بل تشمل تحديد الأسئلة التي ينبغي أن يناقشها الرأي العام. فبدلاً من بقاء النقاش محصوراً في الاتهامات الموجهة إلى هذا التيار، يسعى خطابه في كثير من الأحيان إلى إعادة تعريف الصراع باعتباره استهدافاً سياسياً أو أيديولوجياً، أو جزءاً من مواجهة أوسع مع قوى خارجية وإقليمية.
ولا يعني ذلك أن امتلاك خطاب فعال يثبت صحة الرواية أو ينفي الاتهامات. فالتأثير الإعلامي لا يساوي البراءة، كما أن انتشار رواية ما لا يجعلها حقيقة. لكن من الناحية السياسية، يظل امتلاك القدرة على الدفاع عن الموقف وتقديم رواية متماسكة عاملاً مؤثراً في تشكيل المواقف الدولية والشعبية.
الرواية السياسية جزء من المعركة
في عصر الإعلام المفتوح، لا تخوض الأطراف المعركة بالسلاح وحده. فكل حادثة ميدانية تتحول سريعاً إلى مادة إعلامية، وكل اتهام يمكن أن يصبح أساساً لتحرك دبلوماسي أو عقوبات أو قرارات دولية. ومن هنا، أصبحت إدارة المعلومات جزءاً من إدارة الحرب نفسها.
الطرف الذي يصل أولاً إلى وسائل الإعلام، ويقدم رواية واضحة ومدعومة بالأدلة، يمتلك فرصة أكبر للتأثير. أما الطرف الذي يكتفي بردود الفعل المتأخرة أو التصريحات المتناقضة، فقد يخسر المعركة قبل أن يتمكن من شرح موقفه.
لكن صناعة الرواية لا ينبغي أن تقوم على التضليل أو إنكار الوقائع. فالرواية التي لا تستند إلى معلومات قابلة للتحقق قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها تنهار عندما تتراكم الأدلة المضادة. كما أن المبالغة في تبرير الانتهاكات أو مهاجمة كل جهة تنتقد الأداء السياسي تؤدي في النهاية إلى فقدان المصداقية.
القوة الناعمة الحقيقية لا تعني امتلاك إعلام صاخب فقط، بل تعني القدرة على تقديم نموذج مختلف في الحكم والإدارة. وهي تشمل احترام القانون، والشفافية، والتواصل مع المواطنين، وإتاحة المعلومات، والاستجابة للشكاوى، وتقديم الخدمات، وبناء علاقات خارجية قائمة على المصالح والاحترام المتبادل.
السودان أمام اختبار الشرعية
تدل التجربة السودانية على أن السيطرة العسكرية لا تحسم وحدها مستقبل الدولة. فقد تستطيع قوة ما أن تحقق مكاسب كبيرة في الميدان، لكنها ستظل بحاجة إلى الإجابة عن أسئلة أساسية: ماذا ستفعل بعد السيطرة؟ كيف ستدير المدن؟ كيف ستحمي المدنيين؟ كيف ستتعامل مع الخصوم؟ وما شكل الدولة التي تريد بناءها؟
كلما تأخرت الإجابة عن هذه الأسئلة، زادت الفجوة بين القوة العسكرية والشرعية السياسية. وقد تتحول القوة التي كان يفترض أن تكون وسيلة لتحقيق الاستقرار إلى عامل إضافي لإطالة الصراع، إذا لم ترتبط برؤية سياسية واضحة ومؤسسات قادرة على العمل.
إن التحدي الأكبر أمام أي مشروع سوداني لا يتمثل في كسب معركة عسكرية فحسب، بل في تحويل المكاسب الميدانية إلى شرعية قابلة للحياة. وهذا يتطلب خطاباً وطنياً جامعاً، ومؤسسات مدنية فعالة، وأداءً حقوقياً منضبطاً، ودبلوماسية نشطة، وإعلاماً مهنياً لا يكتفي بالدعاية.
تؤكد الحالة السودانية أن القوة الخشنة والقوة الناعمة ليستا بديلين منفصلين، بل عنصران متكاملان في إدارة الصراع والدولة. فالسلاح قد يفرض أمراً واقعاً، لكنه لا يضمن استمراره. والدبلوماسية قد تكسب التعاطف، لكنها تحتاج إلى واقع سياسي وميداني يحميها. أما الشرعية، فلا تُنتزع بالقوة وحدها ولا تُبنى بالخطاب وحده، بل تتشكل من تفاعل الأمن والعدالة والخدمات والمصداقية.
وعليه، فإن أي طرف يسعى إلى قيادة السودان مستقبلاً سيكون مطالباً بأكثر من تحقيق الانتصار في الميدان. سيكون عليه أن ينتصر أيضاً في معركة الثقة، وأن يقنع السودانيين والمجتمع الدولي بأنه لا يملك القوة للسيطرة فحسب، بل يملك الرؤية والقدرة والمسؤولية لبناء دولة مستقرة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.