لم تعد مؤشرات الكارثة الإنسانية في العاصمة السودانية الخرطوم بحاجة إلى أدلة استخباراتية أو تقارير معقدة؛ فالحقيقة المرة باتت تمشي على دماء وأجساد المواطنين في الشوارع والأحياء التي أنهكتها الحرب. اليوم، تلوح شبح “المجاعة الوشيكة” في أفق الخرطوم كحقيقة واقعة ومروعة، مدفوعة بانهيار اقتصادي غير مسبوق تتناسل فيه ثلاثة وحوش كاسرة: شح السيولة النقدية، وجنون الأسعار، والارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار.
حين تختفي السيولة من أيدي المواطنين تماماً، وتصبح الأرصدة الرقمية وعمليات التحويل العشوائية لغزاً عجز البسيط عن فك طلاسمه، يفقد الإنسان القدرة حتى على شراء أبسط مقومات البقاء. فالأسواق شبه خاوية، ليس لعدم وجود السلع فحسب، بل لأن القدرة الشرائية انعدمت تماماً بعد أن تهاوى الجنيه السوداني أمام الدولار صعوداً إلى مستويات فلكية تقصم ظهر الميزانية المعدومة للأسرة.
إن ما يجري في الخرطوم ليس مجرد أزمة معيشية عابرة، بل هو تجويع ممنهج وصمت رسمي مطبق. أسر بأسرها باتت تحصي الساعات وتقتات على وجبة واحدة إن وجدت، بينما تتكدس السلع في مخازن تجار الأزمات و”اقتصاد الحرب” الذي يقتات على دماء الجائعين. الموظفون الذين قطعت رواتبهم، والعمال اليوميون الذين فقدوا أعمالهم، والمبتلون بالنزوح داخل مدنهم، يواجهون مصيراً حتمياً بالموت بطيئاً جوعاً إذا لم تتدخل العناية الإلهية ثم تقاعس الضمير الإنساني والوطني.
إن صرخة مجاعة الخرطوم هي ناقوس خطر أخير يدق في وجه الجميع؛ فالحكومة والجهات المسلحة تسبح في عالم افتراضي آخر بينما المواطن يعتصر الألم في أحشائه. إن ترك العاصمة الاقتصادية والسياسية للبلاد تواجه شبح الموت جوعاً بهذه البساطة هو جريمة كبرى بحق الإنسانية.
الوقت لم يعد يرحم، والحلول الترقيعية لم تعد تجدي نفعاً؛ فإما تدخل عاجل لكسر طوق الحصار المعيشي وتوفير السيولة وتثبيت أسعار الأساسيات، أو فانتظروا طوفان “ثورة الجياع” التي لن تبقي ولن تذر. الخرطوم تجوع.. فهل من معتصم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل ألا ينفع الندم؟!
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.