افتعال الصراعات!!

صباح محمد الحسن

اتهامان سوداني وإريتري في توقيت واحد
فهل الذي يجري الآن من تطويقٍ بالاتهامات لإثيوبيا خرج من مطبخ قمة العلمين، أم أن إثيوبيا تنوي خوض حرب مع السودان؟
طيف أول:

كن أنت الظل الذي يكشف كل حركات الشمس،
ويعيش مفتوحاً على المدى،
دون أن يصبح ضحيةً لحريتها.

و الحكومة السودانية وجهت اتهامات جديدة للحكومة الإثيوبية بدعم قوات الدعم السريع في حربها ضد الجيش السوداني، ومدها بالطائرات المسيّرة، وأعلنت الحكومة أمس أنها تمتلك أدلة تثبت تورط إثيوبيا في الاستهدافات التي تمت بالمسيّرات الانتحارية والاستراتيجية للأعيان المدنية ومحطات الكهرباء في عدد من الولايات خلال اليومين الماضيين.
وإعلان الحكومة السودانية وجود أدلة موثقة يخرج الاتهامات من إطار التكهنات السياسية إلى مستوى اتهام رسمي، ربما تترتب عليه تبعات قانونية ودبلوماسية، وهو ما يعني أن الخرطوم تعتبر أديس أبابا طرفاً مشاركاً في الحرب.
وبالرغم من أن الحكومة السودانية اتهمت إثيوبيا من قبل بدعمها لقوات الدعم السريع، إلا أنها لم تكن صريحة في اتهامها إلى هذا الحد، ولكن ما الذي جعل الحكومة تختارالمواجهة الآن؟
فالاتهام الذي خرج للعلن سبقته حالة توتر في العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا، وشهدت الشهور الماضية تقارباً دبلوماسياً وأمنياً ملحوظاً بين مصر وكل من إريتريا والصومال والسودان، مما جعل إثيوبيا تنظر إلى هذا المحور بعين الريبة، وتعتبره تحالف تطويق أو مؤامرة إقليمية لتقويض طموحاتها، خاصة بعد بيان قمة العلمين الذي رفضته إثيوبيا واعتبرته تحالفات ضيقة تهدف إلى “افتعال الصراعات” وتقييد مصالحها الاستراتيجية في مياه النيل والبحر الأحمر.
وما ذكرته إثيوبيا من تحذير هو ما يحدث الآن: “افتعال الصراعات”.
ويراودك السؤال: لماذا جاء اتهام الحكومة السودانية العلني متزامناً مع تصريحات وزير الإعلام الإريتري في ذات التوقيت؟ حيث قال الوزير الإريتري إنه، وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، واصلت حكومة إثيوبيا وكثفت تدريجياً أجندة حرب غير مبررة ضد إريتريا تحت شعار الوصول السيادي إلى البحر عبر المفاوضات إذا كان ذلك ممكناً، وبالقوة إذا لزم الأمر، في انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة واتفاقية السلام والصداقة لعام 2018 بين البلدين، وإن أعمال العدوان وزعزعة الاستقرار التي تقوم بها إثيوبيا تشمل التأسيس المعلن لقوة بحرية ذات صلاحيات وعمق استراتيجي.
وأضاف الوزير أن إثيوبيا تقرع طبول الحرب علناً، وتختلق مزاعم واهية ضدنا لتبرير حربها العدوانية القادمة، حيث تسعى للوصول إلى ميناء عصب وبسط نفوذها بالقوة على سواحلنا السيادية.
ونعود بالذاكرة إلى سبتمبر الماضي، حيث أجرى قائد الجيش عبد الفتاح البرهان زيارة مفاجئة إلى العاصمة الإريترية أسمرا، في توقيت تشهد فيه الحدود الجنوبية الشرقية للسودان تصعيداً عسكرياً متزايداً، وفي الوقت الذي اتهمت فيه الخرطوم إثيوبيا بتقديم دعم لقوات الدعم السريع وحلفائها.
إذن، هل الذي يجري الآن من تطويق بالاتهامات لإثيوبيا خرج من مطبخ قمة العلمين بالقاهرة؟
ويمكنك أن تقرأ معي ما الذي قاله الاتفاق: (اتفق القادة في العلمين على إنشاء آلية متابعة فنية وسياسية للتواصل المشترك).
إذن، إن إدارة الأزمة الحالية وتبادل الاتهامات والخطوات الأمنية المتسارعة تجري عبر غرف تنسيق مشتركة تم الاتفاق على هيكليتها خلال تلك القمة.
فالقمة لم تكن مجرد لقاء تشاوري فقط، بل ركزت على إنشاء جبهة موحدة لمواجهة التحركات الإثيوبية الأحادية، ويمكن ربط ما يحدث ميدانياً بالاتفاقيات المحددة، وأن تلعب كل دولة دورها من موقعها.
وتحدث بيان العلمين أيضاً بأن القادة اختتموا اجتماعهم بالتأكيد على أن استقرار المنطقة يعتمد بشكل أساسي على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهذا ما صرح به وزير الدفاع السوداني قبل يوم واحد من إعلان حكومته اتهامها لإثيوبيا صراحة، إذ قال وزير الدفاع السوداني نصاً: (لا بد من احترام سيادة السودان وعدم التدخل في شؤونه الداخلية).
وإثيوبيا لا أظن أنها تنوي خوض حرب مع السودان.
والحكومة السودانية، إن تركت حربها الداخلية الطاحنة، ستجد نفسها تنفذ أجندة إقليمية تضعها في مواجهة شبهات وتوترات أمنية على حدودها الشرقية مع إثيوبيا.
هذا الوضع الذي قد ترى فيه الخرطوم أنها تقف في خندق متقاطع مع أسمرا والقاهرة، لكنه قد يجعلها تخسر أكثر من الأطراف الأخرى.
فالسودان يخوض حرباً أهلية طاحنة منذ أربع سنوات، استنزفت مقدرات الدولة، ودمرت البنية التحتية، وأدت إلى أكبر أزمة نزوح ولجوء في العالم، مما يجعله عاجزاً عن خوض مواجهات عسكرية خارجية واسعة النطاق.
وكذلك فإن هشاشة البنية التحتية والخدمية، واستهداف محطات الكهرباء والأعيان المدنية والمستشفيات، يضرب ما تبقى من شريان حياة للمواطنين في الولايات المختلفة، ويزيد من معاناتهم الإنسانية الطاحنة.
بالإضافة إلى الحدود المفتوحة والرخوة التي يصعب السيطرة عليها أمنياً وعسكرياً.
طيف أخير:
#لا_للحرب
حذرت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان من المخاطر المتصاعدة التي يواجهها المدنيون في الأُبيض، وأكدت البعثة أنها وجدت أسباباً معقولة للاعتقاد بأن النقل الخارجي للأسلحة والتكنولوجيا العسكرية والدعم اللوجستي والأفراد الأجانب عزز القدرات العسكرية للطرفين، وأن الدعم الخارجي يسّر الاستخدام المتزايد لأنظمة الأسلحة المعقدة، وخاصة المسيّرات بعيدة المدى.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.