يبدو أن جماعة بورتوكيزان قد استنفدت ما في جعبتها من بشارات الحرب، فلم يبقَ أمامها إلا أن تبشّر السودانيين بالظلام! فبدلاً من أن يخرج علينا مسؤول يحدّثنا عن السلام، ووقف نزيف الدم، وإعادة الكهرباء إلى البيوت التي أطفأتها الحرب، يخرج علينا الطبيب العميد طارق كجاب، أو «كضّاب»، كما يلقبه كارهوه، ليزفّ إلينا بشرى من نوع جديد: جهّزوا أنفسكم لظلام دامس قد يستمر سنة كاملة!
يا لها من عبقرية في إدارة الأزمات! حكومة تعجز عن حماية محطات الكهرباء ومستودعات الوقود، لكنها لا تعجز عن مطالبة المواطنين بالاستعداد لتحمّل نتائج عجزها. أحد مسؤولي إشعال الحرب يرتدي رتبة العميد ويحمل لقب الطبيب، ثم لا يجد ما يقدّمه لشعبه سوى وصفة علاجية من الحطب والفحم والطاقة الشمسية! كأنما السودان لم يعد وطناً يحتاج إلى حكومة، بل مستشفى ميدانياً كبيراً، يتولى فيه المواطن علاج نفسه من أمراض السلطة، ويدبّر بنفسه أسباب بقائه على قيد الحياة.
وبحسب ما يروّجه الفيديو المتداول، يتحدث كجاب عن استهداف محطات الكهرباء ومستودعات الوقود في البلاد، ويقول إن نحو ثمانين في المئة منها قد دُمّر، وإن محطة المناقل قد استُهدفت اليوم الأربعاء، محذّراً من توقف المحطات والمستودعات خلال ثلاثة أو أربعة أيام، ومشيراً إلى أن استيراد المحولات قد يستغرق ستة أشهر. ثم ينتهي به المطاف إلى دعوة السودانيين للاستعداد لعام كامل بلا كهرباء ولا وقود!
ولسنا هنا بصدد التحقق من هذه النسب والتوقعات، ولا من صحة كل ما ورد في الفيديو؛ وإنما نسأل عن هذه العقلية التي لا ترى في الأفق غير مزيد من الكوارث، ولا تملك لشعبها سوى نشر الخوف وتوزيع النذر السوداء.
يا سعادة العميد، هل صارت وظيفة «الضابط الكوز» مشعل الحرب أن يشرح للناس كيف يتعايشون مع فشل حكومته، بدلاً من أن يشرح لهم كيف سينقذهم منه؟
إذا كانت محطات الكهرباء قد دُمّرت، فمن واجب المسؤول أن يوضح ما اتُّخذ من تدابير لحمايتها وإصلاحها، وما الخطة لتوفير البدائل، ومن يتحمل المسؤولية. أما أن يتحول التصريح الرسمي إلى نشرة إنذار مفتوحة، وأن يصبح المواطن مسؤولاً عن تدبير الحطب والفحم ومصادر الطاقة البديلة، فهذه ليست إدارة دولة؛ إنها دعوة إلى التكيّف مع انهيار الدولة، ثم تقديم هذا التكيّف باعتباره إنجازاً حكومياً!
ويا للعجب! جماعة أشعلت الحرب أو ساندتها، وجعلت استمرارها شرطاً لبقائها، ثم راحت تحذّر الناس من آثارها، كما لو أنها بعثٌ منقذ هبط على السودان من كوكب آخر، لا علاقة له بما يجري! كأن العدو الذي يتحدث عنه كجاب لا صلة له بالجماعة التي أشعلت الحرب، وكأن هذه المأساة نزلت على البلاد من السماء، لا من صراع القوى التي جعلت الوطن ساحة لتصفية الحسابات.
بل إن المرء ليكاد يتخيّل أن الجماعة ستخرج علينا غداً ببيان تقول فيه: لقد بذلنا قصارى جهدنا لإطفاء السودان، ونرجو من المواطنين التعاون معنا بإحضار الحطب!
أما حكاية الطاقة الشمسية، فقد صارت بدورها مادة للتندر لدى بعض الناشطين، الذين تساءلوا عما إذا كانت وراء هذه الدعوة مصالح تجارية. ويجوز أن يتساءل المرء عن وجود مثل هذه المصالح. والمفارقة الساخرة أن تتحول الطاقة الشمسية إلى بديل يُنصح به شعب مهدد بفقدان الكهرباء والوقود، لا ضمن خطة وطنية مدروسة، بل في سياق إنذار يوحي بأن على الناس أن يستعدوا لعام من العتمة!
يا طارق كجاب، أو يا طارق كضّاب، كما تسمح لنا هذه المسرحية السوداء أن نقول! هل يحتاج السودانيون إلى من ينذرهم بالظلام، أم إلى من يفتح أمامهم طريق الخروج منه؟ هل يحتاجون إلى طبيب يصف لهم الحطب والفحم علاجاً لأزمة وطنية، أم إلى مسؤول يجيب عن السؤال البسيط: متى تنتهي الحرب، ومتى يعود السلام؟
إن الشعب السوداني لا تنقصه الخبرة بالظلام. لقد عاش ظلام الاستبداد، وظلام الفقر، وظلام القهر، ثم جاءت هذه الحرب لتطفئ ما بقي في حياته من مصابيح الأمل. وليس في مقدور أحد أن يخيف شعباً بلغ به البلاء هذا المبلغ بمجرد إخباره أن المصابيح ستنطفئ سنة أخرى. فالحوت ما بتهدّدوه بالغرق! فالمشكلة ليست في انقطاع الكهرباء وحده، وإنما في انقطاع البصيرة، وفي سلطة لا ترى خلاص البلاد إلا من خلال استمرار الحرب التي تمزّقها.
الله لا بارك في حرب تجعل الظلام نبوءة، ولا في سلطة تتعامل مع السلام كأنه خطر يهدد بقاءها!
فأنتم لا تبشّرون الناس بالسلام، لأن السلام يفرض عليكم ما لا تريدون: أن تتوقف الحرب، وأن تنتهي حالة الطوارئ التي تتغذّى عليها مصالحكم، وأن يعود السودان وطناً لمواطنيه، لا مزرعة للنفوذ، ولا ثكنة للأوهام، ولا مشروعاً مفتوحاً لإعادة إنتاج سلطة الحركة الإسلامية.
السلام لا يحتاج إلى خطيب يهدّد السودانيين بالظلام، بل إلى إرادة توقف الحرب، وتعيد بناء ما دمّرته، وتحاسب من أجرم في حق الوطن. أما أن تطلبوا من الناس الاستعداد لعام من العتمة، فذلك اعتراف بالفشل، لا بطولة؛ وإعلان للعجز، لا استشراف للمستقبل.
وإذا كانت نصيحتكم الأخيرة للسودانيين هي أن يستعدوا للحطب والفحم، فربما يجدر بكم أن تستعدوا أنتم أيضاً لشيء أكثر أهمية: أن يفيق الشعب من كابوسكم، وأن يطالب بحقه في السلام والحرية والحياة الكريمة.
فالسودان لا يحتاج إلى من يعلّمه كيف يعيش في الظلام؛ بل يحتاج إلى من يخرجه من النفق الذي أدخلتموه فيه. شعب ينتظر السلام، فيأتيه الوعيد بالإظلام. شعب يريد أن يستعيد حياته، فيُطلب منه أن يتدرّب على غياب مقوماتها.
لكن اطمئنوا: قد تنطفئ المصابيح، وقد تنفد المحروقات، وقد يطول الليل؛ غير أن الشعوب لا تُقاس بعدد ساعات الكهرباء، وإنما بقدرتها على استرداد حقها في الحياة.
ولن يكون السودان وطناً مضيئاً ما دام الذين أشعلوا نيران الحرب يصرّون على بيع الظلام للشعب بوصفه قدراً لا مفرّ منه.
والسلام، يا سادة، لا يأتي من التهديد بالإظلام، بل من إطفاء نار الحرب. فهل تفعلون؟ أم أنكم لا تجيدون من البشارات إلا ما يجعل حياة السودانيين أشدّ عتمة؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.