لماذا ترفض حكومة بورتسودان الاعتراف بالمجاعة في السودان؟ وهل تنتظر أن يقضي الشعب نحبه؟
نورا عثمان
في وقتٍ تتواتر فيه التقارير الدولية والأممية لتؤكد أن السودان بات على شفير أكبر كوارث الجوع في التاريخ الحديث، تستمر سلطة الأمر الواقع في بورتسودان في ممارسة سياسة الإنكار الأعمى، مُصرّةً على غض البصر عن آلام ملايين المواطنين الذين يصارعون الموت جوعاً في مخيمات النزوح والمدن المحاصرة. إن رفض هذه السلطة الصريح والوقح للاعتراف الرسمي بوثوق المجاعة يتجاوز حدود العجز الإداري، ليصبح جلياً كجريمة أخلاقية وسياسية مكتملة الأركان.
فما الذي تنتظره حكومة بورتسودان؟ هل تنتظر أن يسقط آخر طفل سوداني صريعاً بجريرة الطوى، كي تقرّ بما يعلمه العالم أجمع؟
إن خطورة هذا التعامي المتعمد لا تكمن فقط في تزييف الواقع، بل في تعطيل تدفق المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة؛ إذ تفرض هذه السلطة قيوداً بيروقراطية وأمنية صارمة على المعابر والمنافذ، معرقلةً وصول الأغذية والأدوية إلى المناطق الأكثر تضرراً، خوفاً من أن يُحسب الاعتراف بالمجاعة إقراراً بفشلها في إدارة البلاد وحماية شعبها. لقد فضّلت سلطة بورتسودان الحفاظ على هيئتها السياسية الشوهاء وصورتها الإعلامية الزائفة على حساب أرواح الأبرياء، متخذةً من معاناتهم ورقة للمساومة والابتزاز السياسي.
إن الشعب السوداني اليوم لا يواجه فقط قسوة نيران الحرب، بل يكتوي بنار سلطة سلبته أبسط مقومات البقاء، وتركت الأطفال والأمهات يقتاتون على ورق الشجر والطين. إن هذا الإصرار على المكابرة في وجه الجوع يثبت مجدداً أن الذين يتحكمون بالمشهد في بورتسودان أبعد ما يكونون عن هموم الشارع، وأن البقاء في السلطة هو غايتهم الأولى والأخيرة، حتى لو كان الثمن أن يباد شعبٌ كامل عن بكره أبيه.
لقد حان الوقت لرفع الصوت عالياً دون مواربة: إن من يمنع الطعام عن الجياع وينكر مأساتهم هو شريك مباشر في قتلهم، ولن ترحم الذاكرة الوطنية كل من استرخص دماء السودانيين وأرواحهم في سبيل أوامره وأجندته الضيقة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.