سلسلة مقالات الاسلام السياسي وحكم السودان (٢) 

 محمد سراج محمد

من قال إننا نريد السلطة؟ نحن فقط نريد إصلاح القصر!

لم تكن دبابة الثلاثين من يونيو 1989م أول الطريق إلى السلطة في السودان، وإنما كانت المحطة الأخيرة في رحلة طويلة بدأت من مقاعد الجامعات، ومرّت بالمنابر الدعوية، وتعرّجت عبر التحالفات السياسية، وانتهت عند بوابات القصر الجمهوري. فالانقلاب لم يكن وليد ليلة، بل ثمرة مشروع أدرك مبكراً أن الطريق إلى الحكم لا يحتاج دائماً إلى صندوق اقتراع؛ أحياناً يكفي أن تصبر على التنظيم حتى يصبح التنظيم دولة، وأن ترفع شعار الإصلاح حتى تصبح الدولة نفسها مشروعاً للإصلاح القسري!

تعود الجذور إلى أربعينيات القرن العشرين، حين تأثر طلاب سودانيون في مصر بأفكار جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا عام 1928م. وفي السودان ظهرت إرهاصات الحركة الإسلامية الحديثة منذ 1945–1947م، وتبلور تنظيم الإخوان المسلمين بصورة أكثر انتظاماً عام 1954م. وكانت الجامعات، ولا سيما كلية غردون ثم جامعة الخرطوم، ساحات مبكرة لاختبار القدرة على الحشد والتنظيم. ومنذ ذلك الوقت لم تعد المسألة مجرد دعوة دينية؛ فقد أخذت تتشكل ملامح مشروع سياسي يريد أن يحدد شكل الدولة، وهوية المجتمع، ومن يحق له الجلوس على مقعد السلطة.

ومع ثورة أكتوبر 1964م، خرج التنظيم إلى المجال السياسي بواجهة جبهة الميثاق الإسلامي، وصعد حسن الترابي بوصفه مهندساً سياسياً يجيد قراءة التحولات وتبديل مواقع الحركة. وفي أزمة عام 1965م المتعلقة بحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان، ظهر بوضوح أن الحركة مستعدة لخوض معارك دستورية وسياسية باسم حماية العقيدة، حتى لو كان الثمن إضعاف التعددية الديمقراطية. وهنا بدأت المفارقة: من يرفع راية حماية الدين لا ينبغي أن ينسى أن حماية الحرية السياسية جزء من حماية المجتمع نفسه.

ثم جاءت المصالحة الوطنية عام 1977م مع نظام جعفر نميري، بعد سنوات من المعارضة والصدام. فدخل الإسلاميون من أبواب السلطة التي كانوا يصفونها بالأمس بالاستبداد، ووجدوا في مؤسسات الدولة مجالاً لتوسيع نفوذهم. كانت المصالحة، عملياً، أكثر من عناق سياسي بين خصمين؛ كانت فرصة للتمدد داخل أجهزة الحكم. ويبدو أن بعض الشعارات تتبدل بسهولة حين تقترب المقاعد الوثيرة!

وفي سبتمبر 1983م أعلن نميري قوانين سبتمبر، في سياق سياسي شهد تقارباً مع الحركة الإسلامية. فتحولت الشريعة، في الممارسة السلطوية، إلى حزمة قوانين ارتبطت بنظام مأزوم وحرب أهلية متصاعدة. والسؤال هنا ليس عن الدين، بل عن السياسة التي تستعير قداسة الدين لتمنح قراراتها حصانة من النقد والمراجعة. فهل كانت القوانين مشروع عدالة، أم محاولة لإنقاذ شرعية نظام فقد كثيراً من أسباب بقائه؟

بعد انتفاضة أبريل 1985م، تأسست الجبهة الإسلامية القومية بقيادة الترابي، وخاضت انتخابات 1986م، لتصبح لاعباً برلمانياً مؤثراً. لكن الديمقراطية الثالثة لم تكن نهاية الطموح. ففي 16 نوفمبر 1988م وُقّعت مبادرة الميرغني ـ قرنق في أديس أبابا، داعية إلى تجميد قوانين سبتمبر وتهيئة المناخ لمؤتمر دستوري يعالج أزمة الحرب والدولة. غير أن المبادرة اصطدمت بخلافات سياسية حادة، وظلت الأزمة تتفاقم.

وفي فجر 30 يونيو 1989م، حسمت الدبابة ما عجزت عنه المنافسة الانتخابية. استولى ضباط بقيادة عمر البشير على السلطة، وأُطيحت الحكومة المنتخبة، بينما كشفت التطورات عن الدور المركزي للجبهة الإسلامية القومية في الانقلاب. وهكذا انتقل المشروع من المنبر إلى القصر، ومن خطاب الوعظ إلى إدارة الدولة بقبضة التنظيم.

يا لها من مفارقة! حركة بشّرت بالحاكمية، فانتهت إلى تمكين جماعتها؛ ورفعت شعار محاربة الفساد، فتركت وراءها إرثاً سياسياً واقتصادياً ومؤسسياً لا يزال موضع مساءلة؛ وتحدثت باسم الفضيلة، لكنها لم تقدم نموذجاً يجعل السلطة خاضعة للمحاسبة كما ينبغي.

إن نقد التجربة لا يعني نقد الإسلام، ولا محاكمة المتدينين، بل مساءلة الذين جعلوا من المقدس جسراً إلى السلطة، ومن الوطن ملكية تنظيمية. فالدولة ليست مسجداً خاصاً بحزب، ولا الوطن غنيمة لمن يسبق الآخرين إلى القصر. والمشكلة الكبرى ليست أن الإسلاميين أرادوا الحكم؛ فذلك حق سياسي مشروع، وإنما أنهم انتهوا إلى الاستيلاء عليه بالقوة، ثم عاملوا الدولة كما لو أنها ملكية خاصة لا مواطنة عامة.

لقد أثبت التاريخ السوداني أن أخطر ما يمكن أن يحدث حين يتحول المنبر إلى سلّم للقصر، أن ينسى الصاعدون أن المنبر مكان للكلمة، وأن القصر مؤسسة لخدمة الناس، لا مكافأة لمن يزعم امتلاك الحقيقة!

 

ملاحظة تحريرية: تعمدت عدم إدراج بعض التفاصيل المختلف عليها باعتبارها حقائق محسومة، خصوصاً أرقام انتخابات اتحاد الطلاب وبعض التعيينات الحكومية، إلى حين مراجعة وثائقها الأصلية. وهذا يعزز القيمة الأكاديمية للمقال ويحميه من الاعتراض التوثيقي.

 

مراجع ومصادر التوثيق

1\. محمد الخير عبد القادر، نشأة الحركة الإسلامية الحديثة في السودان (1946–1956م)، الدار السودانية للكتب، الخرطوم. مرجع أساسي لتاريخ التكوين والنشأة التنظيمية.

2\. منصور خالد، جنوب السودان في المخيلة العربية: الصورة الزائفة والقمع التاريخي، دار تراث للنشر، لندن، 2000م، ص 161–163. ويتضمن نص مبادرة الميرغني ـ قرنق. الجزيرة نت.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.