خطاب ياسر العطا لمكونات دارفور الاجتماعية: يُظهر الودَّ ويُبطن اللؤم

الصادق حمدين

في خطاب مرتجل وجّهه الجنرال ياسر العطا إلى مجتمعات دارفور، أعلن أنه قادم لتحريرها، وسارع إلى طمأنتها بأن حملته ليست حملة الدفتردار الانتقامية. وقد أعادني خطابه هذا إلى حكاية الأسد الذي أراد أن يطمئن أم الثعلب، عبر صغيرها، بأنه لا يريد أكلها، فما كان من الثعلب إلا أن قال لصغيره مستغرباً: “هسه الجاب طاري الأكل شنو”؟.
وهنا نسأل ياسر العطا: ممن تريد تحرير مجتمعات دارفور؟ وهل استنجدت بك حتى تنصّب نفسك مخلّصاً لها؟ وهل مجتمعات الوسط والشمال التي تجثم على صدرها سلطة العسكر، وتحكمها بالحديد والإرهاب، تعيش الحرية والكرامة حتى تأتي لتمنح الآخرين ما تفتقده هي نفسها؟
يا ياسر العطا، قبل أن تتحدث عن تحرير دارفور، انظر إلى المجتمعات التي تزعم أنك تحكم باسمها. أليست غارقة في الجوع والمرض والغلاء والفاقة وانعدام الأمن والأمان؟ أليس الأولى بك أن تحررها من قيود المسغبة والحرمان، وأن توفر لها أبسط مقومات الحياة، بدلاً من أن تعرض على مجتمعات دارفور مشروعاً جديداً للحرب تحت لافتة التحرير؟
إن من يعجز عن تحرير شعبه من الجوع والخوف والاستبداد، لا يملك أن ينصّب نفسه محرراً لشعوب الآخرين. فالتحرير ليس استعراضاً عسكرياً، ولا خطاباً أجوفاً مرتجلاً، ولا حشداً للمقاتلين المغرر بهم، وإنما هو كرامة المواطن وأمنه وحقه في الحياة والاختيار.
واللافت في خطابك المرتعش أنك خاطبت مكونات دارفور بوصفها قبائل، لا باعتبارها مكونات أصيلة من الشعب السوداني. وهذا ليس مجرد خطأ في التعبير، بل هو مدخل خطير يكشف طبيعة النظرة التي تتعامل بها دوائر سلطة الأمر الواقع مع هذه المجتمعات. فدارفور ليست مجموعة قبائل تنتظر وصاية جنرال تائه حائر لا يعي ما يقول، وليست أرضاً مستباحة لمشروعات التعبئة العسكرية. إنها جزء أصيل من السودان، وأهلها مواطنون لهم حقوقهم وكرامتهم وإرادتهم، وليسوا رعايا في إمبراطورية عسكرية مهزومة.
أما الأخطر في خطابك، فهو أنه يتزامن مع محاولات حشد وتجنيد أبناء غرب السودان، عبر تشكيلات وشخصيات من بينها ما يسمى “درع الغرب” بقيادة النور القبة، ورزق الله الشهير بالسافنا، وموسى هلال. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً، أي تحرير هذا الذي يستدعي أبناء المنطقة ليكونوا وقوداً لمعركة جديدة؟ وأي مصلحة لدارفور في أن يُدفع أبناؤها إلى محرقة حرب لا يملكون قرارها، ولا يحددون أهدافها، ولا يضمنون نتائجها؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأهل غرب السودان هو أن يُعاد تدوير المأساة ذاتها بأسماء وواجهات جديدة. بالأمس كانت التعبئة القبلية بوابة للحروب والانقسامات، واليوم يجري تسويق الاستنفار الجديد باعتباره تحريراً وإنقاذاً. تتغير الشعارات، وتتبدل القيادات، لكن النتيجة واحدة: شباب يُدفعون إلى الموت، وأمهات ينتظرن عودة أبنائهن، ومجتمعات تدفع ثمن صراعات لا تصنع قرارها.
يا ياسر العطا أيها الجنرال الألثغ، لا تحاول أن تبيع لأهل دارفور مشروعاً للتحرير بينما تُعدّ لهم ولأبنائهم فواتير حرب جديدة. ولا تظن أن استدعاء أسماء القيادات القبلية والتشكيلات المسلحة يمنح مشروعك شرعية اجتماعية. فشرعية أي مشروع تُقاس بما يحققه للناس من أمن وكرامة وسلام، لا بعدد الرجال الذين يستطيع حشدهم إلى ساحات القتال.
وأقول لأبناء غرب السودان: احذروا أن يتحول انتماؤكم القبلي إلى كمين سياسي، وأن تصبح دماؤكم ثمناً لتصفية حسابات الجنرالات. لا تسمحوا لأحد أن يختار لكم عدوكم، أو أن يقرر بالنيابة عنكم من تقاتلون ومن تصالحون. فأنتم لستم مرتزقة في حروب الآخرين، ولا جنوداً بالوكالة في مشروعات لا تخدم مستقبل أبنائكم.
يا ياسر العطا، دارفور لا تحتاج إلى دفتردار جديد، ولا إلى محرر يحمل في خطابه وعود الخلاص وفي مشروعه نذر الحرب. إنها تحتاج إلى من يحترم إنسانها، ويصون دماء أبنائها، ويعترف بحقها في المواطنة المتساوية.
فإن كنت تبحث عن معركة للتحرير، فابدأ بتحرير السودان من استبدادكم، ومن عسكرة الحياة السياسية التي انت قائدها، ومن استخدام القبائل والمكونات الاجتماعية حطباً لحروب السلطة.
أما أن تستنفر أبناء دارفور وكردفان وتزج بهم في أتون حرب جديدة، ثم تسمي ذلك تحريراً، فهذه ليست رسالة إنقاذ، بل محاولة لتغليف مشروع الحرب بشعارات الخلاص.
وأخيراً، نعود إلى الثعلب الذي قال لصغيره: “هسه الجاب طاري الأكل شنو؟” فحين يكثر الحديث عن عدم الانتقام، يصبح من حق الناس أن يسألوا: لماذا جاء ذكر الدفتردار أصلاً؟ وماذا تخفي وراء خطاب الطمأنة الذي باطنه اللؤم؟ دعني اختم مقالي بسؤال بريء هل صلى قائدك المخلوع عمر البشير صلاة الجمعة في كاودا؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.