حين يتوقف المعلم عن الشرح ليقف في طوابير العوز والانتظار، فهذا ليس مجرد مؤشر أزمة طارئة، بل هو إعلان رسمي عن “موت أمة”. في الوقت الذي تُهدر فيه مليارات الجنيهات ومقدرات البلاد الشحيحة في تمويل آلة الحرب وإطالة أمد الصراع، تواجه منظومة التعليم في السودان كارثة غير مسبوقة تقودها سياسة “التجاهل المتعمد” من قبل سلطة بورتسودان. فبينما تتصاعد إضرابات المعلمين الشاملة للمطالبة بأبسط حقوق العيش الكريم، تقابل الحكومة هذه الصرخات بصمّ الآذان والالتفاف المفضوح، لتكشف عن وجه قبيح يتعمد ترك صانعي الأجيال يصارعون الموت جوعاً وقهرًا.
أرقام تفضح الجريمة:
عندما يساوي راتب المعلم 4% من الحد الأدنى! لا يحتاج المراقب إلى بذل جهد كبير لادراك حجم المأساة؛ فالأرقام الرسمية ودراسات لجان المعلمين لعام 2026 تثبت بالدليل القاطع أن راتب المعلم السوداني — خصوصاً في الدرجات المتوسطة والدنيا — بات لا يغطي سوى نحو 4.2% فقط من الحد الأدنى لتكاليف المعيشة الشهرية لأسرة متوسطة. رجل وامرأة يكرسان حياتهما لبناء عقول أطفالنا، يُتركان بلا رواتب منتظمة، وبلا تغطية صحية، وفي بيئة معيشية قاسية تلتهم فيها موجات التضخم ما تبقى من كرامتهم الإنسانية. وحين يلجأ المعلمون إلى سلاح الإضراب المشروع للتعبير عن رفضهم لهذا الإذلال الممنهج، تسارع حكومة بورتسودان إلى محاولة تفتيت وحدة النقابات، وترويج وعود وهمية لا تسمن ولا تغني من جوع.
لماذا تتجاهل حكومة بورتسودان مطالب المعلمين؟ (هل هو إهمال أم تعمد؟)يُطرح السؤال بمرارة في الشارع السوداني: لماذا تصر السلطة في بورتسودان على تجاهل قضية المعلمين وإبقاء قطاع التعليم في حالة احتضار دائم؟يؤكد خبراء التربية والتحليل السياسي أن الأمر يتجاوز مجرد “عجز مالى مؤقت” إلى مستوى التعمد السياسي الواضح لأسباب عدة: خشية الوعي الجمعي: يرى الخبراء أن الأنظمة الشمولية وتجار الحروب يخشون دائماً من سطوة الوعي والتعليم الحر؛ فالمعلم هو حجر الأساس في صناعة الشخصية الناقدة والمقاومة للظلم. إبقاء المعلم مكسوراً ومشغولاً بلقمة عيشه اليومية يضمن إسكات أي صوت قادر على التعبئة والتغيير.
أولويات الحرب على حساب الإنسان:
تؤكد السياسات المالية للسلطة أن الإنفاق على المجهود الحربي والواجهات السياسية يأتي في المرتبة الأولى، بينما تأتي قطاعات مثل التعليم والصحة في ذيل القائمة — بل وتُترك عمداً للانهيار الشامل لتفريغ المدارس الحكومية لصالح التعليم التجاري أو تكريس الجهل. الهروب من المسؤولية: تعتمد حكومة بورتسودان سياسة الهروب للأمام عبر تجاهل المطالب الحقوقية، والرهان على عامل الوقت لتكسير إرادة المعلمين ودفعهم إلى ترك مهنتهم تماماً للبحث عن مصادر دخل هامشية، وهو ما يهدد بضياع مستقبل أكثر من 8 ملايين طفل سوداني باتوا خارج مقاعد الدراسة. آراء الخبراء: اغتيال منظم للعملية التعليميةفي قراءته للمشهد الراهن، يرى الخبير التربوي د. تاج السر أحمد أن ما يتعرض له المعلم السوداني اليوم هو “عملية تصفية منظمة لمهنة التدريس”. ويشير بالقول:”حين تصبح أجور المعلمين أدنى بكثير من خط البقاء، وحين تتحول المدارس إلى ثكنات أو مراكز إيواء بلا مياه ولا أبسط مقومات النظافة، فإننا لا نتحدث عن أزمة عادية، بل عن قرار ضمني بتدمير البنية التحتية الفكرية للأجيال القادمة.
إن تجاهل بورتسودان لمطالب المعلمين هو جريمة وطنية كبرى.”من جانبه، يؤكد الباحث الاقتصادي مصطفى عبد القادر أن الموارد المالية المتاحة لسلطة بورتسودان تُوجه نحو قنوات الصراع لا الخدمات العامة:”الدولة لا تعاني عجزاً مطلقاً بقدر ما تعاني خللاً فاضحاً في ترتيب الأولويات.
توفير ميزانية عادلة لتغطية أجور المعلمين وإعادة تأهيل المدارس لا يتطلب معجزة، بل يتطلب إرادة سياسية غائبة تماماً، لأن بقاء المعلم قوياً يعني سقوط منظومة الفساد وتجار الحروب.” الخلاصة: معركة المعلم هي معركة بقاء الوطنتؤكد منصة «عين الحقيقة» أن قضية المعلمين السودانيين وإضرابهم العادل ليست مجرد مطلبية نقابية عابرة، بل هي معركة فاصلة بين أن يبقى للسودان مستقبل، أو أن يغرق نهائياً في مستنقع الجهل والتخلف الذي يريده سدنة الحرب.إن استمرار حكومة بورتسودان في تجاهل هذه القضية الحارقة لن يزد الشارع إلا إصراراً على اقتلاع هذا الفشل من جذوره. فمن يبيع التعليم ويجوع معلمه، يبيع الوطن بثمن بخس، ولن يغفر التاريخ لمن أمعنوا في إهانة صانعي الأجيال.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.