لم تعد لغة الشارع السوداني تحتمل المواربة، ولا الدبلوماسية المقعرة التي تتسرب عبرها وعود السلطة العرجاء في بورتسودان. فمن رحم المعاناة المستمرة، وضنك العيش، وأتون حرب لا تميز بين مدني وعسكري، انتفض الضمير الجمعي السوداني ليختزل ملايين صيحات الغضب في كلمة عامية واحدة بليغة وعميقة الدلالة: “اختانا” (بمعنى: غادرنا، اتركنا وشأننا).
تحت هذا الوسم والشعار الصريح، تمددت حملة شعبية واسعة النطاق لتعبر عن الرفض القاطع لوجود رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، على راس السلطة، واضعةً المشهد السياسي برمته أمام سؤال المصير التاريخي: هل يلحق البرهان بسلفه المعزول عمر البشير؟
من رحم الرفض.. دلالات شعار “اختانا”
لم تكن حملة «أختانا يا برهان» مجرد نفثة غضب عابرة على منصات التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى جدار صد شعبي ورمز لكسر حاجز الخوف واليأس. وجاءت هذه الصرخة بالتزامن مع الذكرى الخامسة لانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، الذي أطاح بالشراكة المدنية العسكرية وأدخل البلاد في نفق المجهول، لتتوج أعواماً مريرة من الخراب والدمار.
الشارع اليوم، من خلال لجان المقاومة والقواعد الثورية والأصوات المدنية المتضررة، لا يطالب مجرد بتغيير وجوه أو تدوير كراسي الحكم، بل يرفع راية إسقاط منظومة الحرب والخراب بأكملها. إن كلمة “اختانا” تعني بوضوح سقوط المشروعية السياسية والأخلاقية لمنظومة بورتسودان، التي باتت تُرى كعائق رئيسي أمام أي فرصة للسلام أو إنقاذ ما تبقى من الوطن.
أزمات متقاطعة.. الحرب والاقتصاد وشبح المجاعة
إن غضب الشارع لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج طبيعي لتراكم الكوارث التي جلبها استمرار أمد الحرب وتشبث القيادة العسكرية بالسلطة: انهيار اقتصادي مروع: تهاوت العملة الوطنية وارتفعت الأسعار لمستويات قياسية، وعجزت الحكومة عن صرف رواتب الموظفين أو تأمين مقومات الحياة الأساسية.
أتون الموت المجاني: وسط تصاعد التقارير الحقوقية والأممية حول تزايد أعداد الضحايا المدنيين نتيجة القصف والهجمات الميدانية، يشعر المواطن بأن بقاء المؤسسة العسكرية بشقيها الحالي لا يحميه بل يضاعف فاتورة دمائه.
شبّح المجاعة: بينما تحذر المنظمات الدولية من كارثة إنسانية ومجاعة واسعة النطاق تطرق أبواب الملايين، تقف سلطة بورتسودان عاجزة عن فتح ممرات آمنة للإغاثة، مسخّرةً جلّ الموارد لاستمرار آلة الحرب على حساب أفواه الجياع والنازحين.
هل يلحق البرهان بالبشير؟
يطرح الشارع السوداني اليوم هذا التساؤل المشفوع بتجارب التاريخ القريب؛ فمثلما سقط نظام الإنقاص في ديسمبر 2018 نتيجة تعنت رموزه وعجزهم عن قراءة نبض الشارع وضائقة المعيشة، يبدو أن مسار البرهان وسلطته يسير بخطى حثيثة نحو المير ذاته.
الفرق الوحيد اليوم هو حجم الدمار الهائل الذي خلّفته هذه الحرب، والذي جعل تكلفة بقاء أي ديكتاتور أو سلطة أمر واقع باهظة للغاية على أمن ووحدة السودان. إن العزلة الدبلوماسية، وفشل مشروعات الحسم العسكري، وتآكل الحاضنة الشعبية، كلها مؤشرات تؤكد أن ورقة الشرعية قد احترقت نهائياً.
ختاماً
حملة (اختانا) ليست مجرد صرخة غضب رقمية، بل هي إعلان واعد بأن الروح الثورية للسودانيين لم تمتها الحرب، وأن الشارع الذي أسقط طغاة بالأمس قادر على إعادة تصحيح بوصلة التاريخ. وإذا لم يقرأ الجنرال البرهان ورجاله هذه الرسالة بوعي، فإن أسوار بورتسودان لن تنجيهم من طوفان غضب شعبي قادم لا محالة، ليكتب التاريخ نهاية مشابهة لمن سبقوهم في قصر الاستبداد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.