البرهان في موسكو.. هل تصبح ثروات السودان ثمن البقاء في السلطة؟

تقرير: عين الحقيقة

لم تكن الابتسامات التي ظهرت على وجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء حديث قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في موسكو مجرد تفصيل عابر في مشهد دبلوماسي، بل أعادت إلى الواجهة تساؤلات أعمق بشأن طبيعة التقارب بين البلدين، وحدود المصالح التي تحكم علاقتهما، والثمن الذي قد يدفعه السودان مقابل توسيع شراكته مع موسكو، في ظل حرب تستنزف موارده وتهدد مستقبله السياسي والاقتصادي.

وبينما تسعى قيادة الجيش إلى تعزيز علاقاتها الخارجية بحثاً عن دعم سياسي وعسكري لمواجهة تعقيدات الحرب، تبرز مخاوف من أن تتحول حاجة السلطة إلى حلفاء دوليين إلى مدخل لتقديم تنازلات استراتيجية تتصل بثروات البلاد وموقعها الجغرافي ومقدراتها الاقتصادية، بعيداً عن الرقابة الوطنية والمساءلة المؤسسية.

 

ابتسامة بوتين.. قراءة تتجاوز لغة الجسد

أظهرت المقاطع المتداولة من اللقاء بوتين مبتسماً في عدد من اللحظات أثناء حديث البرهان، الذي بدا أكثر حركة واستخداماً لتعبيرات الوجه واليدين في مخاطبة الرئيس الروسي. وأثار هذا التباين البصري تفاعلاً واسعاً، وفتح الباب أمام تفسيرات متباينة لطبيعة التفاعل بين الرجلين.

ومع ذلك، لا يمكن اعتبار تعبيرات الوجه دليلاً على السخرية أو الاستخفاف، كما لا تكفي اللقطات المتداولة للحكم على طبيعة العلاقة أو موازين القوة داخل اللقاء. فالمشاهد الدبلوماسية تحمل إشارات متعددة، ولا يمكن اختزالها في ابتسامة أو حركة يد.

لكن بعيداً عن الجدل الذي أثاره المشهد، تظل القضية الأكثر أهمية مرتبطة بما يدور خلف الأبواب المغلقة، وما إذا كانت المباحثات قد تجاوزت تبادل المواقف السياسية إلى بحث ترتيبات استراتيجية طويلة الأمد تتصل بمصالح الطرفين في السودان والبحر الأحمر.

 

البرهان وموسكو.. البحث عن سند سياسي وعسكري

يأتي انفتاح البرهان على موسكو في مرحلة شديدة الحساسية، إذ يواجه السودان حرباً مدمرة أدت إلى انهيار قطاعات واسعة من الاقتصاد، وتفاقم الأزمة الإنسانية، وتراجع قدرة مؤسسات الدولة على أداء وظائفها الأساسية.

وفي ظل الضغوط الدولية والإقليمية، يصبح البحث عن حلفاء يمتلكون ثقلاً سياسياً وعسكرياً خياراً مهماً بالنسبة إلى قيادة الجيش. وتمثل روسيا، بما تملكه من نفوذ دولي وقدرات عسكرية وعلاقات متشابكة في أفريقيا، أحد الأطراف التي تسعى الخرطوم إلى توسيع التعاون معها.

غير أن السؤال الأساسي يتعلق بطبيعة هذا التعاون وحدوده: هل يستهدف بناء شراكة تخدم الدولة السودانية ومؤسساتها، أم يرتبط أيضاً بحسابات السلطة في الحصول على دعم خارجي يعزز موقعها التفاوضي والعسكري، ويمنحها مساحة أوسع للمناورة في مواجهة الضغوط المطالبة بإنهاء الحرب؟

 

البحر الأحمر والثروات.. ما الذي تريده موسكو؟

لا تنفصل أهمية السودان بالنسبة إلى روسيا عن موقعه الجغرافي المطل على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية، فضلاً عن امتلاكه موارد طبيعية وثروات معدنية وأراضي زراعية واسعة، تمنحه قيمة اقتصادية واستراتيجية في الحسابات الدولية.

ومن هذا المنطلق، تبرز ملفات الموانئ والمنشآت العسكرية والتعاون الدفاعي والاستثمارات في قطاع التعدين ضمن القضايا التي تستحق اهتماماً خاصاً عند تقييم مستقبل العلاقات بين البلدين.

ويظل ملف القاعدة البحرية الروسية المحتملة على ساحل البحر الأحمر أحد أبرز الملفات التي تستدعي متابعة دقيقة، بالنظر إلى أبعاده العسكرية والاستراتيجية وتأثيره المحتمل على موقع السودان في التوازنات الإقليمية والدولية.

فأي ترتيبات تتعلق بوجود عسكري أجنبي أو امتيازات اقتصادية طويلة الأجل لا ينبغي التعامل معها باعتبارها اتفاقات فنية أو تفاهمات ثنائية عادية، بل قرارات تمس السيادة الوطنية ومستقبل الأجيال القادمة.

وهنا تبرز أسئلة جوهرية: هل تخضع هذه الملفات لدراسة مؤسسية ورقابة قانونية؟ وهل تملك المؤسسات السودانية المختصة حق الاطلاع على تفاصيلها ومراجعتها؟ ومن يحدد المقابل الذي يحصل عليه السودان، والالتزامات التي قد تترتب على هذه التفاهمات؟

السيادة الوطنية ليست ورقة تفاوض

لا يمثل التعاون مع روسيا أو غيرها من القوى الدولية في حد ذاته تهديداً للسيادة السودانية؛ فالعلاقات الخارجية تقوم بطبيعتها على تبادل المصالح، ويمكن للشراكات العسكرية والاقتصادية أن تسهم في دعم الدولة إذا تأسست على قواعد واضحة ومتوازنة.

لكن الإشكالية تبدأ عندما تُدار هذه العلاقات في ظل غياب الشفافية، أو عندما تصبح حاجة السلطة إلى الدعم الخارجي أكثر حضوراً من اعتبارات المصلحة الوطنية، خصوصاً في بلد يعيش حرباً مفتوحة وأزمة سياسية لم تجد طريقها إلى تسوية مستدامة.

فالسودان ليس ملكاً لقيادة عسكرية، وثرواته ليست رصيداً سياسياً يمكن استخدامه لتأمين مواقع المسؤولين أو تعزيز نفوذهم. كما أن القرارات المتعلقة بالموانئ والموارد الطبيعية والاتفاقيات العسكرية يجب أن تستند إلى القانون والمصلحة العامة، لا إلى حسابات البقاء في السلطة.

ومن حق السودانيين معرفة طبيعة الالتزامات التي تُناقش باسم بلادهم، وحجم العائد المتوقع منها، والجهات التي ستشرف على تنفيذها، والضمانات التي تحول دون تحولها إلى امتيازات مفتوحة تستنزف الموارد الوطنية.

من المستفيد من التقارب؟

في الواقع، لا تكمن أهمية لقاء بوتين والبرهان في الابتسامات التي التقطتها الكاميرات، ولا في الانطباعات التي أثارتها طريقة حديث كل منهما، وإنما في طبيعة المصالح التي يجري التفاوض بشأنها، والنتائج التي يمكن أن تترتب على التقارب بين موسكو والخرطوم.

 

فروسيا تتحرك وفق حسابات استراتيجية واقتصادية وأمنية، ومن الطبيعي أن تسعى إلى توسيع نفوذها في منطقة البحر الأحمر وأفريقيا. لكن مسؤولية القيادة السودانية تقتضي التأكد من أن أي تفاهمات مع موسكو تحقق مكاسب للدولة والمجتمع، ولا تتحول إلى ترتيبات تخدم مصالح السلطة على حساب السيادة الوطنية.

 

وفي بلد أنهكته الحرب، وتراجعت فيه مؤسسات الرقابة والمساءلة، يصبح الكشف عن الاتفاقيات والتفاهمات الخارجية ضرورة لا تحتمل التأجيل، وليس مجرد مطلب سياسي أو إعلامي.

فالسؤال الذي ينبغي أن يواجه به البرهان ليس فقط ما الذي يمكن أن تقدمه روسيا للسودان، بل ما الذي قد يقدمه السودان في المقابل، ومن يملك حق اتخاذ هذا القرار؟

وبين ابتسامة بوتين وحديث البرهان، تبقى الحقيقة الأهم أن مستقبل السودان لا ينبغي أن يُرسم عبر تفاهمات مغلقة، وأن ثرواته وموقعه الاستراتيجي لا يمكن أن يكونا ثمناً سياسياً لبقاء أي شخص في السلطة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.