أشعل البرهان الحرب وترك السودان يحترق، ثم ذهب إلى موسكو ليعرض على بوتين – كما فعل المخلوع البشير – ساحل البحر الأحمر والموانئ والثروات المعدنية، وكأن السودان ملكية خاصة يتصرف فيها وفق حساباته السياسية. شعب يواجه القتل والنزوح والجوع، وبلاد تتآكل مؤسساتها، ورئيس سلطة عسكرية يتنقل بين العواصم عارضًا مواردها ومواقعها الاستراتيجية، بحثًا عن حليف يضمن له البقاء في السلطة. بأي حق يتصرف البرهان في مستقبل السودان بهذه الطريقة؟
العرض الذي قدمه لبوتين يتجاوز حدود التعاون الاقتصادي المعتاد. فقد طرح إنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، وإقامة مخازن روسية للوقود والقمح، إلى جانب مواقع للاستثمار في الذهب والنحاس ومعادن أخرى. كما عرض مشاركة الشركات الروسية في تطوير السكك الحديدية وإنشاء سلاسل لوجستية تربط بورتسودان بتشاد. نحن هنا أمام ملفات تمس الموانئ والثروات والبنية التحتية وموقع السودان في حركة التجارة الإقليمية والدولية. ومع ذلك، يتعامل البرهان معها وكأن قرار التصرف فيها حق شخصي يمنحه لنفسه.
والأرقام تكشف حجم الثروات والمصالح الوطنية التي يجري الحديث عنها. فبحسب البيانات الرسمية السودانية، بلغ إنتاج الذهب المعلن خلال عام 2025م نحو 70.15 طنًا، رغم استمرار الحرب وخروج مناطق إنتاج واسعة عن نطاق الإحصاء الحكومي. وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى امتلاك السودان نحو 73.5 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، بما يعادل قرابة 175 مليون فدان، يُستغل أقل من 35% منها، فضلًا عن ثروة حيوانية قُدرت بنحو 115.4 مليون رأس في عام 2025م. وهذه الأرقام تعكس جزءًا من حجم الموارد التي يمتلكها السودان، وتكشف في الوقت نفسه الفجوة الهائلة بين ثراء البلاد الطبيعي وفقر مواطنيها. وتزداد خطورة هذه المفارقة عندما تصبح الموارد المعدنية والموانئ والممرات التجارية موضوعًا لتفاهمات خارجية تفتقر إلى الرقابة العامة، بينما تظل عائدات الثروات وآليات التصرف فيها بعيدة عن الشفافية والمساءلة.
يبدو أن البرهان يتعامل مع ساحل البحر الأحمر باعتباره مساحة متاحة للمساومة السياسية، متجاهلًا طبيعة الموقع الذي يتحدث عنه. فالبحر الأحمر ممر استراتيجي يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر باب المندب وقناة السويس، وتعتمد عليه حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، إلى جانب إمدادات الطاقة. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى مرور أكثر من عشرة في المئة من التجارة العالمية عبر هذا الممر. كما أن نحو 34 في المئة من تجارة السودان، وفق بيانات عام 2022م، كانت مرتبطة بحركة الملاحة عبر قناة السويس. وهذه الأهمية تجعل أي ترتيبات طويلة الأمد على الساحل السوداني مسألة تتجاوز الاستثمار التجاري إلى حسابات الأمن والنفوذ الإقليمي والدولي.
السودان يقع في قلب تنافس دولي وإقليمي تتداخل فيه مصالح روسيا والصين والولايات المتحدة، إلى جانب السعودية ومصر وتركيا وإيران والإمارات وإسرائيل. وتتصل هذه المصالح بالموانئ وخطوط الملاحة وأمن الطاقة والنفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ولذلك فإن إدخال روسيا في ترتيبات اقتصادية ولوجستية على الساحل السوداني ستكون له انعكاسات على علاقات السودان الإقليمية وموقعه في معادلات التنافس الدولي. والبرهان يتصرف في هذا الملف وكأنه صاحب القرار الوحيد في تحديد اتجاه البلاد وعلاقاتها الاستراتيجية، دون تفويض شعبي أو نقاش وطني أو رقابة مؤسسية.
إن هذه الثروات والمواقع الاستراتيجية تستوجب نظامًا صارمًا للشفافية والرقابة، لا تحويلها إلى موضوع للمزادات والمزايدات السياسية. فمن حق السودانيين معرفة المواقع التي تُعرض للاستثمار، ومساحاتها وقيمتها الاقتصادية، ومدد الامتيازات المقترحة، وشروط التعاقد، ونسب المشاركة في العائدات والأرباح، والإعفاءات الضريبية والجمركية، والالتزامات البيئية، والمستفيدين الحقيقيين من الشركات، والآثار المحتملة على السيادة والأمن القومي. كما ينبغي إخضاع أي اتفاقات تتعلق بالموانئ أو الثروات المعدنية أو البنية التحتية الاستراتيجية للإفصاح العلني، والتقييم الاقتصادي والقانوني المستقل، والرقابة التشريعية والقضائية، ومنع إبرام التزامات طويلة الأمد تتجاوز صلاحيات السلطة القائمة وتقيّد خيارات الأجيال المقبلة. فالثروات العامة حقوق للشعب السوداني، وعائداتها يجب أن تدخل الخزانة العامة وتخضع للموازنة والمراجعة والمساءلة، بعيدًا عن الحسابات السياسية والصفقات التي تُدار خلف الأبواب المغلقة.
وعندما يقول البرهان إن السودان يمكن أن يكون «بوابة روسيا إلى أفريقيا»، فإنه يختصر موقع البلاد الجغرافي والسياسي في خدمة طموح دولة أخرى. السودان يحتاج إلى سياسة خارجية تحمي مصالحه وتستثمر موقعه لمصلحة شعبه، لا إلى قائد عسكري يوزع الوعود الاستراتيجية بحثًا عن دعم سياسي. فإدارة الموانئ والثروات والعلاقات الدولية والأمن البحري تحتاج إلى مؤسسات وطنية وخبرات متخصصة وقرار يخضع للمساءلة. أما أن ينفرد البرهان بهذه الملفات، فذلك امتداد لتغوّله على الدولة وحقوق السودانيين.
والمفارقة أن الرجل الذي أشعل الحرب وترك البلاد تواجه الانهيار، يتجه الآن إلى تقديم مواردها وموقعها الاستراتيجي في مفاوضات خارجية، بينما يظل مستقبل ملايين السودانيين معلقًا بين النزوح والجوع وفقدان الأمان. ما الذي يقدمه البرهان في موسكو مقابل هذا الانفتاح على المصالح الروسية؟ وما الضمانات التي يبحث عنها لنفسه؟ ومن يتحمل تبعات تحويل الساحل السوداني إلى جزء من ترتيبات التنافس الدولي؟
السودان دولة يملك شعبها حق تقرير مستقبلها، وساحل البحر الأحمر وثرواته وموانئه حقوق وطنية لا يملك البرهان تفويضًا للتصرف فيها منفردًا. سيادة السودان ليست ورقة تفاوض لإنقاذ سلطة البرهان، ومقدرات البلاد لا يجوز أن تتحول إلى ثمن يدفعه مقابل البقاء في الحكم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.