صرخة فزع

صباح محمد الحسن

ما قدمه البرهان من عرض مغرٍ يترجم لحظة هوان مخيفة وصورة للحاكم في أسوأ حالات اهتزازه،
ولكن روسيا لن تستجيب لهذه الأسباب!!
طيف أول:
أعلم أن قسوتك على ذاتك تزداد كلما وضع قلبك المسميات لكل شيء!!

وقال قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، “جنرال الحرب”، أمس في مشاركته في القمة الروسية الأفريقية، إن السودان مستعد لمنح روسيا مواقع للاستثمار في استخراج الذهب والنحاس ومعادن أخرى. واقترح البرهان على روسيا إنشاء منطقة اقتصادية حرة على البحر الأحمر تستفيد منها لإقامة منشآت لتخزين الوقود والقمح، وذلك وفق ما ذكرته وكالة “تاس” الروسية، فضلاً عن مشاركة روسيا في تطوير البنية التحتية لشبكة السكك الحديدية في السودان.
ومن جهته، قال الرئيس بوتين إن موسكو مستعدة للتعاون مع السودان في العديد من المجالات الحديثة، بما في ذلك التنمية الرقمية، والرعاية الصحية، والتعليم، والخدمات اللوجيستية، والصناعة. وأعلن الرئيس الروسي عن تسليمه للسلطات السودانية “خريطة طريق” لمجالات التعاون الواعدة بين البلدين.
وما قدمه البرهان من عرض مغرٍ يترجم لحظة هوان مخيفة وصورة للحاكم في أسوأ حالات اهتزازه؛ قائد يعرض “وطناً للبيع” ليحمي نفسه ويحافظ على مقعده. وأول ما تكشفه هذه الحالة للمتابع -من خلال ملاحظة لغة الجسد أثناء خطابه- يتبين له كالشمس أن قيادة الجيش أدركت أن واشنطن وحلفاءها الغربيين قد صعدوا من ضغوطهم الدبلوماسية، أو أنهم يجهزون لخطوات عقابية، أو يسعون لفرض مقاربات سياسية لا تلبي طموحات المؤسسة العسكرية في حسم المعركة، وهو ما دفع البرهان إلى رفع سقف التهديد الاستراتيجي؛ مفاد الرسالة للطرف الأمريكي: “إذا استمررتم في تضييق الخناق أو تجاهل شرعيتنا، فسنسلم مفاتيح البحر الأحمر لأكبر خصومكم الدوليين”.
لكن بعيداً عما قاله البرهان في عرضه الذي لم يكن جديداً، وليست هذه المرة الأولى التي تتسول فيها الحكومة لدى روسيا؛ فقد قدمت هذا العرض قبل عامين، وأرسل البرهان بنفسه عدداً من الشخصيات إلى روسيا لتقديم ذات العرض. لكن المهم بالأمس لم يكن في الطلب، إنما في الرد عليه؛ فالذي يلاحظ ردود بوتين والكرملين على البرهان يجدها ردوداً دبلوماسية فضفاضة؛ فحديث روسيا عن “المجالات الحديثة، والتنمية الرقمية، والرعاية الصحية، والتعليم” هو لغة دبلوماسية كلاسيكية عادةً ما تُستخدم لامتصاص الطلبات المباشرة والمتكررة دون إعطاء إلتزام ملزم.
وهذا مؤشر مباشر إلى أن روسيا لن تستجيب لطلبات البرهان؛ فبالنسبة لموسكو، السودان ورقة مهمة، لكنه لا يُقاس أبداً بحجم مصالحها الكبرى مع القوى الإقليمية الأخرى، خاصة واشنطن، ناهيك عن صراعها المحتدم معها ومع الغرب في الساحة الأوكرانية والملفات الدولية الكبرى. فالاستجابة تعد مغامرة إضافية في شرق أفريقيا قد تفتح جبهات توتر مجانية بوتين في غنى عنها.
فالحرب في أوكرانيا تستنزف القدرات المالية واللوجستية والعسكرية الروسية بشكل كبير، وموسكو اليوم تعيد تموضعها في أفريقيا عبر شركات أمنية أو شراكات اقتصادية قليلة التكلفة (مثل استخراج الذهب والتجارة)، وتتجنب تماماً التورط في قواعد عسكرية جديدة ثقيلة ومكلفة قد تتحول إلى عبء استراتيجي.
وبالأمس سألت نفسي سؤالاً مباشراً: إنه منذ بداية الحرب، إن كانت روسيا ترغب في قاعدة بحرية في السودان فمن يدق باب الآخر؟! فروسيا كانت تسعى خلف موطئ قدم على البحر الأحمر وتضغط لإتمام اتفاق القاعدة منذ سنوات البشير ثم العسكريين، وحين وجدت أن التعطيل السوداني والرفض الغربي يسببان لها حرجاً ومماطلة مستمرة، تراجعت خطوة للوراء وجعلت تركيزها منصبّاً على صفقات اقتصادية وتعدينية تضمن لها مصالحها دون الحاجة لصدام مباشر أو بناء قواعد تعيقها حسابات دولية أخرى.
لهذا فإن البرهان يسعى ويطرق الأبواب مستنفداً كل الأوراق المتاحة لكسر الطوق السياسي والعسكري، بينما ستكتفي موسكو بفتح نافذة اقتصادية ضيقة تحسب خطواتها فيها بدقة متناهية.
إذن، معضلة الجنرال الذي نصحه إعلامه بالتوجه إلى روسيا ليست في الطلب، إنما في الاستجابة؛ فالبرهان يدرك تماماً حساسية الممر المائي للبحر الأحمر بالنسبة للأمن القومي الأمريكي والغربي، لذلك يحاول استخدام الورقة الروسية بهذه الطريقة الفجة والمباشرة (عبر طرح القواعد والاستثمارات الاستراتيجية الكبرى في موسكو)، وهي في الحقيقة محاولة لخلط الأوراق وإجبار واشنطن على إعادة حساباتها، أو على الأقل دفعها لعدم الذهاب بعيداً في خطوات عزل السودان أو محاصرة الجيش.
لكن الأهم في هذا التكتيك: هل تدرك واشنطن أن هذه الخطوة هي مجرد “صرخة فزع” وتلويح بأوراق ضغط من قبل الخرطوم لتقليل الخسائر، أم أنها ستدفع الإدارة الأمريكية إلى ردود فعل عكسية وزيادة الضغط وتعميق عزلة بورتسودان؟!
فأمريكا تدرك أن روسيا غير مستعدة حالياً للتورط عسكرياً في قاعدة بحرية على البحر الأحمر وتتحمل صداماً إضافياً مع الغرب بسبب السودان. لذلك، تنظر واشنطن إلى هذا التحرك على أنه محاولة يائسة أو مناورة ضغط سياسي وليست تحالفاً استراتيجياً حقيقياً مكتملاً.
وواشنطن لن تفزع من هذه الخطوة لأنها تدرك حدود قدرة موسكو والخرطوم على ترجمتها، وهذا يعني أن البرهان قد يكون استهلك ورقة ضغط كبرى دون أن يحصل على المقابل العسكري المأمول من موسكو، وفي الوقت ذاته قد يكون منح واشنطن مبرراً إضافياً لتشديد الخناق عليه.
طيف أخير:
#لا_للحرب
قالت الخارجية المصرية إن وزير الخارجية وكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية بحثا تطورات الأوضاع في السودان.
* والوزير عبد العاطي جدد التأكيد على “موقف مصر الثابت” الداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، وشدد على ضرورة الحفاظ على المؤسسات الوطنية السودانية. فهذا موقف مصر منذ بداية الحرب، ولكن تكرار اللقاءات بين بولس وعبد العاطي يؤكد أن اللقاءات تبحث أعمق بكثير مما تبديه مصر من تكرار لموقفها!!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.