أبواب مغلقة في وجه الحرب.. فشل البرهان في استقطاب الدعم العسكري والسياسي؟

نورا عثمان

في عالم تتسارع فيه خطى الدبلوماسية الدولية والإقليمية نحو إخماد بؤر النزاع، يبدو الجنرال عبد الفتاح البرهان وقيادة بورتسودان في إبحار عكس التيار، محاولين عبثاً استدراج عواصم العالم والمنظومة الإقليمية لدعم استمرار آلة الحرب في السودان. غير أن جولات الرهان على الدعم الخارجي لم تُسفر إلا عن صدمة متسارعة؛ فالعالم أجمع بات على قناعة راسخة بأن هذه الحرب العبثية قد تجاوزت كل حدود المبررات، وأن أوان إسكات البنادق قد حان، لا إشعالها من جديد.
لم يعد الموقف الدولي حيال الأزمة السودانية ترفاً دبلوماسياً أو مجرد بيانات إدانة باهتة، بل تحول إلى إجماع صريح وواضح: لا حل عسكرياً في السودان، واستمرار الاقتتال جريمة لا يمكن للمجتمع الدولي توفير غطاء لها.
من المنظمات الأممية ومجلس الأمن إلى العواصم الفاعلة إقليمياً ودولياً، تتطابق الرؤى على أن أي محاولة لإطالة أمد النزاع تحت يسمى “حماية الشرعية” أو “حسم المعركة” لم تعد تخدع أحداً. فالتقارير الإنسانية الكارثية، وملايين المشردين واللاجئين، ومجاعة الخرطوم والولايات، كلها عوامل جعلت الدعم الموجه للمجهود الحربي مرفوضاً ومجرماً أخلاقياً وسياسياً.
خلال محطات التحرك الخارجي للبرهان ووفوده الدبلوماسية، اصطدمت طموحات استقطاب العتاد أو الدعم السياسي المفتوح لمواصلة الحرب بجدران صلبة من الرفض الدولي. ويمكن تلخيص أسباب هذا الفشل في عدة نقاط جوهرية: أولوية الحل السياسي والإنساني: ترفض الدول الصديقة والشريكة الانخراط في دعم أي طرف عسكري يغلق الباب أمام المبادرات السلمية، وتصر على أن أي مساعدة يجب أن تذهب حصراً لإنقاذ المدنيين وفتح ممرات الإغاثة.
فقدان الثقة في قدرة الحسم: تدرك الدوائر الاستراتيجية الإقليمية والدولية أن الرهان على حسم عسكري شامل بات وهماً غير متاح، وأن استمرار الحرب لا يخدم سوى تفتيت ما تبقى من أركان الدولة السودانية.
ضغوط المجتمع المدني العالمي: تتعرض الحكومات الغربية والإقليمية لضغوط هائلة من منظمات حقوق الإنسان والمجتمع الدولي لعدم التورط في تقديم أي دعم قد يساهم في إزهاق أرواح مزيد من الأبرياء السودانيين.
إصرار القيادة العسكرية في بورتسودان على تجاهل لغة العقل والتمسك بخيار البنادق، رغم إطباق العزلة الدولية وانكشاف الظهر الاستراتيجي، يعكس أزمة قراءة حقيقية للمشهد. فالعالم اليوم لا يبحث عن وكلاء لحروب جديدة، بل يبحث عن شركاء للسلام والاستقرار. وكلما تمادت السلطة الحالية في البحث عن أسلحة ومتحالفين جدد لإطالة أمد الحرب، كلما خسرت ما تبقى لها من رصيد سياسي وأخلاقي أمام الشعب السوداني وأمام المجتمع الدولي.
إن فشل البرهان في حشد الدعم الخارجي لمواصلة الحرب هو رسالة واضحة لا تقبل التأويل: انتهى زمن شراء شرعية الحروب بالدم السوداني. والعالم أجمع يقول بصوت هادر إن مصلحة السودان الحقيقية تكمن في وقف فوري لإطلاق النار، والجلوس إلى مائدة التفاوض، واستعادة مسار التحول المدني الديمقراطي. فمتى يدرك تجار الحروب أن العالم قد غادر محطة القتال، وأن البقاء خارج مركب السلام هو سقوط نهائي لا رجعة فيه؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.