صراع الأجنحة داخل البراء والإسلاميين يهدد تماسك معسكر البرهان

تقرير: عين الحقيقة

تتكشف داخل معسكر السلطة في بورتسودان ملامح أزمة تتجاوز الخلافات السياسية المعتادة، مع تصاعد الصراع على النفوذ بين الحلفاء المسلحين، وتنامي الخلافات داخل الحركة الإسلامية، بالتزامن مع الضغوط الدولية المفروضة على كتيبة البراء بن مالك.
وبينما تتفاقم الأزمات المعيشية والخدمية ويستمر القتال، تبدو مراكز النفوذ منشغلة بحماية مكاسبها وإعادة ترتيب مواقعها، أكثر من انشغالها بمصير الحرب ومعاناة المدنيين. وتتقاطع المعطيات التي أوردها المحلل السياسي أواب عزام البوشي مع ما كشف عنه د. عبد المنعم همت في مقال عن الانقسامات داخل كتيبة البراء بن مالك، لتقدم صورة لتحالف تتنازعه حسابات الولاء والمناصب والارتباطات الخارجية، وتحيط به تساؤلات بشأن وحدة القرار والسيطرة على التشكيلات المسلحة.

حسب مصادر داخل الكتيبة: أسهمت هذه التطورات في تأجيج الصراع بين أجنحة متنافسة، وسط اتهامات متبادلة بالتخوين ومخاوف من الاختراق.

ويتناول همت في مقاله الضغوط الدولية التي تواجه كتيبة البراء بن مالك، مشيراً إلى العقوبات الأميركية المفروضة عليها، وإدراجها، إلى جانب الحركة الإسلامية السودانية، ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية. كما يشير إلى اتهامات وزارة الخارجية الأميركية لمقاتلين مرتبطين بالكتيبة بتنفيذ عمليات إعدام جماعية بحق مدنيين، وتلقي عدد منهم تدريباً ودعماً من الحرس الثوري الإيراني.
ويربط همت بين هذه الضغوط ومحاولات قيادة الجيش حصر الجماعات المسلحة المساندة وتصنيفها تمهيداً لدمج بعضها في المؤسسة العسكرية، وهي خطوة قوبلت برفض حاد من الكتيبة، التي اعتبرتها استهدافاً سياسياً لها.
وبحسب مصادر داخل الكتيبة نقل عنها همت، أسهمت هذه التطورات في تأجيج الصراع بين أجنحة متنافسة، وسط اتهامات متبادلة بالتخوين ومخاوف من الاختراق. وتتحدث المصادر عن تيارات متعددة داخل التشكيل، وعن ارتباطات خارجية مزعومة تشمل حركة حماس وشبكات تهريب أسلحة مرتبطة بالحوثيين. كما أورد المقال مزاعم بشأن استخدام مطار كارساقو بولاية البحر الأحمر لأغراض عسكرية ووصول طائرات إليه، وهي معلومات لم تتوفر أدلة مستقلة تؤكدها.
وفي كردفان، يشير همت إلى تغييرات في قيادة القطاع، شملت إبعاد عثمان أبو عبيدة وتولي عبد الله سليمان، المعروف بـ«ود الشريف»، المسؤولية. كما أثار تعيين عصام أبو مدينة ناطقاً باسم قطاع غرب كردفان اعتراضات من أجنحة أخرى، وفقاً للمصادر التي استند إليها المقال.
ولا تقف الخلافات عند حدود التعيينات؛ إذ تتحدث المصادر عن تراجع الثقة في القيادة، ووجود مجموعات تفضّل الصمت خشية التخوين أو التصفية. كما تورد مزاعم عن الزج ببعض العناصر في معارك غير متكافئة للتخلص منها، وهي اتهامات خطيرة تستدعي تحقيقاً مستقلاً.
وعلى الجبهة السياسية، كشف المحلل السياسي أواب عزام البوشي عن اجتماع طارئ للحركة الإسلامية لمناقشة التطورات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وبحث سبل التعامل مع الحركات المسلحة المتحالفة مع البرهان والمشاركة في السلطة.
وبحسب المعلومات التي أوردها البوشي، ناقش الاجتماع إمكانية دفع البرهان إلى إجراء تغييرات سياسية وحكومية لامتصاص الغضب الشعبي، لكن تمسك الحركات المسلحة بمناصبها الوزارية عرقل هذه المساعي. كما تحدث عن خلافات وصدامات بين قيادات الحركة الإسلامية بشأن إدارة المرحلة، وسط مخاوف من أن يؤدي الضغط على الحلفاء إلى تفجير صراع داخل التحالف الحاكم.

اتجه الاجتماع إلى تكثيف التعبئة الداخلية وتوظيف خطاب المؤامرة الخارجية، عبر ربط استهداف محطات الكهرباء بالطائرات المسيّرة بمخطط خارجي، مع توجيه الاتهامات نحو إثيوبيا.

وتكشف هذه المعطيات مفارقة واضحة؛ فسلطة تتحدث عن مواجهة التحديات الوطنية تواجه صعوبة في إعادة ترتيب حكومتها بسبب تنازع حلفائها على المناصب. وفي الوقت الذي ينتظر فيه المواطنون حلولاً لأزمات الكهرباء والمياه والخبز والوقود، تنشغل القوى المتحالفة بحسابات تقاسم السلطة والنفوذ.
ووفقاً للبوشي، اتجه الاجتماع إلى تكثيف التعبئة الداخلية وتوظيف خطاب المؤامرة الخارجية، عبر ربط استهداف محطات الكهرباء بالطائرات المسيّرة بمخطط خارجي، مع توجيه الاتهامات نحو إثيوبيا.
ويثير هذا التوجه تساؤلات بشأن توظيف الاتهامات الخارجية لصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية، بدلاً من تقديم إجابات واضحة بشأن تدهور الخدمات ومعاناة المواطنين. فحماية المنشآت المدنية تتطلب تحقيقات شفافة وكشفاً للوقائع، لا الاكتفاء بتبادل الاتهامات.
كما أشار البوشي إلى أن الاجتماع ناقش رفض أي هدنة إنسانية، والدفع نحو تعزيز الشراكة مع روسيا وتوسيع التعاون مع الصين، سعياً إلى توفير دعم سياسي ودبلوماسي لبورتسودان والاستفادة من مواقف موسكو وبكين داخل مجلس الأمن. وربط هذه التوجهات بزيارة البرهان إلى روسيا، في إطار البحث عن حلفاء دوليين لمواجهة الضغوط المطالبة بوقف الحرب وتسهيل وصول المساعدات.
وتتقاطع رؤيتا همت والبوشي عند نقطة أساسية، تتمثل في اتساع الخلافات داخل المعسكر المتحالف مع الجيش؛ من صراع على المناصب الحكومية إلى تنافس على القيادة والولاءات داخل التشكيلات المسلحة. وتجري هذه الصراعات في بلد يعيش حرباً مدمرة، ويدفع المدنيون ثمنها من أرواحهم وأمنهم وسبل عيشهم.
فبدلاً من جعل وقف الحرب وحماية المدنيين أولوية، تكشف هذه المعطيات عن صراع على من يملك القرار، ومن يحتفظ بالمناصب، ومن يضمن ولاء المجموعات المسلحة. ولا يمكن بناء سلام مستدام في ظل تعدد المليشيات المتحالفة مع الجيش وكتائب الإسلاميين وتضارب الولاءات، أو مطالبة السودانيين بمزيد من الصبر بينما تتحول السلطة إلى ساحة لتصفية الحسابات بين حلفائها، على حساب الاستقرار ومستقبل البلاد وحقوق المواطنين.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.