لفترة ليست قصيرة، كانت سماء وسائل التواصل الاجتماعي والأروقة السياسية السودانية تضج بشعار استعراضي أليف ومتهور في آن واحد؛ شعار “بل بس”، الذي رفعته أصوات صاخبة كانت تمني النفس بحسم عسكري سريع، وتدفع باتجاه استمرار الحرب بلا هوادة متصورة أن المعركة تحسم ببيانات الحماس وشعارات التعبئة العابرة. لكن العاصفة إذا اشتدت، فإنها لا تبقي ولا تذر، وحين تدور رحى الحرب الحقيقية بكل قسوتها، تتوارى الشعارات الرنانة خلف جدران الواقع المأساوي.
اليوم، وأمام هول الدمار واتساع رقعة المعاناة، يبرز تساؤل ملح يفرض نفسه بقوة على المشهد: لماذا صمتت أصوات “بل بس”؟
الإجابة باختصار مرّ: لقد أرهقت الحرب الإنسان السوداني حتى أثقلت روحه، وأسكتت معها كل حناجر الغفلة والمزايدة الرخيصة. أولئك الذين كانوا يمنون النفس باستمرار الحرب، ويستسهلون دفع الأرواح والمقدرات ثمناً لأوهام النصر السريع، اصطدموا أخيراً بحقيقة الحرب المرعبة؛ فهي لا تفرق بين مدني وعسكري، ولا تستثني أحداً من نيرانها وويلاتها. لقد ذاق الجميع مرارة النزوح، وفقدان الأحبة، وانهيار مقومات العيش البسيط، فتحول صخب الحماس الأعمى إلى صمت مطبق تفرضه هيبة المأساة.
إن غياب تلك الأصوات واختفاء شعاراتها لم يأتِ من فراغ، بل هو اعتراف ضمني -وإن كان متأخراً- بفداحة الخطيئة التي ارتكبها دعاة استمرار الحرب بحق الوطن والمواطن. فالذين استسهلوا إشعال النار أدركوا أخيرًا أنهم أول من يحترق بلهيبها، وأن الدم السوداني ليس رخيصاً ليُهدر على مذبح الشعارات الشعبوية.
إن الدرس المستفاد من صمت “بل بس” هو أن لغة العنف والغطرسة مآلها الحتمي إلى الانكسار أمام إرادة البقاء والسلام التي يضمرها الإنسان السوداني. لقد حان الوقت لأن يتحول هذا الصمت المتأمل إلى صوتٍ عاقل وناضج ينحاز للسلام، ويعمل بكل مخلص لإنهاء هذه الحرب اللعين، واستعادة الوطن قبل أن لا يتبقى وطن لنحارب من أجله.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.