❝الأوطان لا تُقاس بما تملكه الأرض من ذهب، بل بما يحفظه أهلها من كرامة وسيادة❞
في عام 1875، ضاقت الديون بالخديوي إسماعيل، فاضطر إلى بيع أسهم مصر في شركة قناة السويس للحكومة البريطانية.. كانت الصفقة يومها حلاً مالياً عاجلاً في نظر السلطة، لكنها فتحت لبريطانيا باباً واسعاً إلى واحد من أهم شرايين الملاحة في العالم.. لم يكن البيع مجرد أسهم في شركة؛ كان مدخلاً إلى نفوذ سياسي واقتصادي طويل الأمد.. والتاريخ لا يعيد وقائعه بالحرف، لكنه يترك لنا أسئلته معلقة: كم من قرار يبدأ بحسابات السلطة وينتهي بفاتورة تدفعها الأجيال؟.
من الخديوي اسماعيل إلى بريطانيا، نفتح نافذة حول لقاء البرهان بوتين في موسكو، أمس، فالتاريخ يعاد تارة مع البشير، وتارة أخرى مع البرهان، وتظل الحركة الإسلامية من خلف الستار.
(1)
أمس في العاصمة الروسية موسكو، قدم البرهان لبوتين عرضاً يتجاوز المجاملة الدبلوماسية.. فقد عرض على روسيا فرصاً للاستثمار في الذهب والنحاس ومعادن أخرى، واقترح إنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، تتضمن منشآت لتخزين الوقود والقمح، داعياً الشركات الروسية للمشاركة في تطوير شبكة السكك الحديدية، بما في ذلك امتداد مقترح من بورتسودان باتجاه تشاد وأفريقياالوسطى.. هذه عروض معلنة نقلتها وسائل إعلام، وليست اتفاقات نهائية أُبرمت وبدأ تنفيذها.
لكن ثقلها لا يحتاج إلى كثير شرح؛ ذهب في باطن الأرض، وساحل على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، وخطوط نقل تفتح أبواباً إلى عمق القارة.. فماذا ينتظر السودان في المقابل؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي ألا يضيع وسط صور المصافحة وعبارات الشراكة الاستراتيجية.
(2)
بوتين تحدث عن توسيع التعاون في مجالات التنمية الرقمية والصحة والتعليم واللوجستيات والصناعة، وأشار إلى خريطة طريق لمجالات تعاون واعدة، كما جدد موقف موسكو الداعي إلى وقف الأعمال العدائية والوصول إلى تسوية سياسية.. وفي هذا الجانب، لا ينبغي إغفال أن روسيا وفرت للسلطة السودانية سنداً دبلوماسياً في مجلس الأمن، واستخدمت حق النقض في نوفمبر 2024 ضد مشروع قرار بشأن السودان، وعارضت توسيع حظر السلاح ليشمل مناطق أخرى خارج دارفور.. ذلك موقف له وزنه في حسابات البرهان.. لكن الدعم السياسي شيء، والاتفاق العسكري شيء آخر، والاستثمار الاقتصادي شيء ثالث.. ولا يجوز أن نضعها جميعاً في سلة واحدة ثم نبيع للرأي العام وهماً اسمه الشراكة.
(3)
أما الشطر الذي لم يحظى بما يكفي من الضوء فهو:”ما الذي يريد البرهان شراءه من موسكو؟.. هنا تقودنا الوقائع إلى مسار عسكري سابق على زيارة أكتوبر.. ففي تقرير نشرته بلومبيرغ قبل عامين، نقلت عن مسؤول استخباراتي سوداني ومسؤولين أمريكيين أن روسيا عرضت تزويد السودان بمنظومة الدفاع الجوي S-400 في إطار التفاوض حول منشأة عسكرية على البحر الأحمر، وأن الخرطوم لم تقبل العرض آنذاك خشية إغضاب الولايات المتحدة والغرب.. فيما تحدثت تحليلات وتقارير لاحقة عن احتمال حصول السودان على مقاتلات Su-30 وSu-35، وعن منظومات مضادة للطائرات وأسلحة إضافية ضمن مقايضة محتملة تتصل بالقاعدة البحرية.. لكن لا يوجد إعلان موثق عن عقد نهائي لهذه المشتريات، كما أن مصدراً عسكرياً سودانياً قال لصحيفة (سودان تريبيون) وتحديدا في ديسمبر 2025 إن إجراءات القاعدة جُمّدت ولم يتقدم تنفيذها.. أما الصواريخ والمسيّرات، فلا تتوافر وثيقة تثبت أن موسكو وعدت البرهان بحزمة جديدة منها في لقائه الأخير.. إذن نحن أمام عروض ومباحثات واحتمالات، لا أمام صفقة تسليح روسية مكتملة ومعلنة.
والفرق بين الأمرين هو الفرق بين المعلومة والتضليل.
(4)
واذا أردنا تحليل تفاصيل صفقة البرهان مع بوتين علينا أن نستدعي كل الاوراق كل على حدا، لكي لا تختلط، إذ أن هناك مسار تسليحي آخر مع باكستان.. فقد كشفت رويترز في يناير 2026 عن صفقة قُدّرت بنحو 1.5 مليار دولار، تشمل طائرات هجومية خفيفة من طراز K-8، وأكثر من مئتي مسيّرة للاستطلاع والهجوم، ومنظومات دفاع جوي، مع حديث عن احتمال إدراج مقاتلات JF-17.. هذه صفقة منفصلة عن المباحثات الروسية، ولا يصح نسبتها إلى موسكو.. لكنها تكشف اتساع بحث القيادة العسكرية في الخرطوم عن السلاح، في وقت تتسع فيه كلفة الحرب على السودانيين.. كما أن وجود مدير المخابرات العامة ومدير منظومة الصناعات الدفاعية ضمن وفد البرهان إلى موسكو يمنح البعد الأمني والعسكري أهمية تستحق السؤال، لكنه لا يثبت وحده توقيع اتفاق سلاح.. ومع ذلك يبقى السؤال قائما، ما الذي طُلب خلف الأبواب، وما الذي أُعلن أمام الكاميرات؟ .. ربما لا يملك كاتب المقال جواباً قاطعاً.. لكننا نقدم تحليلا مهنيا، ذلك لأن من حق الشعب أن يعرف ما يجري حوله.
(5)
البرهان لم يذكر في كلمته أمام بوتين، القاعدة البحرية، وهي الورقة التي تلوح بها الحركة الإسلامية كلما ضاقت عليها الأرض بما رحبت، وامس لم تكن تفصيلاً فنياً في ملف الاستثمار.. وهي كمشروع يعود جذوره إلى تفاهمات في عهد البشير عام 2017، ثم استمر الحديث عن مركز دعم لوجستي روسي في بورتسودان، وسط خلافات وتأجيلات بشأن التصديق والتنفيذ.
ولكن سرعان ما تجدد الحديث حولها في 2024 وكذلك عن مساعدات عسكرية روسية مقابل تسهيلات بحرية، بينما نفت موسكو وجود اتفاق نهائي في ذلك الوقت. ثم نقلت (سودان تريبيون) في ديسمبر 2025 عن مصدر عسكري تجميد الإجراءات، عندما دخلت الرياض على الخط، فقد وأوردت في تقرير لاحق أن البرهان طمأن مسؤولين سعوديين إلى تجميد خطط إقامة قواعد عسكرية على ساحل البحر الأحمر.. هنا تدخل حسابات واشنطن والرياض وحتى القاهرة؛ نعم، فالشاهد أن الولايات المتحدة تنظر بحساسية إلى موطئ قدم عسكري روسي قرب الممرات البحرية، كما أن السعودية معنية بأمن الضفة المقابلة، فالمدن السعودية على مرمى حجر، أما مصر فتظل عيونها مفتوحة على ما يمس أمن البحر الأحمر وقناة السويس.. لكن لا ينبغي أن ننسب إلى أي عاصمة موقفاً محدداً بلا تصريح موثق.. لكن الثابت أن الساحل السوداني ليس قطعة أرض معزولة عن توازنات الإقليم والعالم.
(6)
وفي قراءة (أفق الحرف) لا يمكن فصل هذا التقارب عن سؤال السلطة التي تتصرف باسم السودان.. نعم، فالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، اللذان فقدا واجهة حكمهما بعد ثورة ديسمبر، ظلا حاضرين في المشهد السياسي والعسكري عبر شبكات النفوذ ومصالح البقاء، وفق ما تكشفه الوقائع والتقارير عن مسارات الحرب وتداخل القوى.. ومن حقنا كصحافيبن، أن نسأل:” هل تبحث هذه الشبكات عن حليف دولي يمنح السلطة سنداً سياسياً وعسكرياً يطيل عمرها؟.. وهل يصبح الذهب والموانئ والامتيازات الاقتصادية ثمناً لمظلة تحمي الحكم؟.. هذا تحليل سياسي مشروع، لكنه لا يتحول إلى حقيقة مثبتة إلا بوثائق واتفاقات معلنة.
روسيا تبحث عن مصالحها الاستراتيجية، وهذا من حقها والبرهان يبحث عن دعم يعزز موقفه؛ (ولن نقول هنا من حقه) ذلك لأن السودان لا يملكه البرهان، هذا البلد، له شعب لا يجوز اختزاله في حسابات بقاء سلطة أو مكاسب حلفاء.
(7)
ولذلك، يظل السؤال الأكبر معلقاً في رقبة من يملك قرار التوقيع: من فوّض البرهان لمنح مواقع التعدين، وفتح الساحل أمام منطقة اقتصادية ذات امتيازات استراتيجية، وربط مستقبل السكك الحديدية بعقود طويلة الأمد؟ .. أين مؤسسة الشعب التشريعية التي تراجع الاتفاقات؟ وأين تفاصيل العقود، ونسب العائدات، وحقوق الدولة، والضمانات البيئية، ونصيب المجتمعات المحلية؟ في شرق البلاد.. لا يكفي أن يقال إن السودان يملك الذهب والمعادن؛ فملكية الشعب للثروة لا تمنح الحاكم حق التصرف فيها بلا مساءلة.. ولا يكفي أن يقال إن روسيا ستستثمر؛ فكل استثمار له شروطه وأرباحه والتزاماته.. وإذا كان المقابل سلاحاً، فليُعلن نوعه وسعره وشروطه، وإذا كان المقابل دعماً سياسياً، فليُكشف ثمنه..
ما نود قوله هنا:” السيادة لا تُصان بالشعارات، بل بالشفافية والمؤسسات، وحق الناس في معرفة ما يُعقد باسمهم.
#مطر\\_الحصو
قد يبيع الحاكم امتيازاً ليشتري سلاحاً، وقد يشتري سلاحاً ليكسب جولة، أو يضمن بقاءه في الحكم، لكن الوطن يخسر في الحالتين، إذا غابت المحاسبة.. الذهب لا ينطق، والميناء لا يصوّت، والسكك الحديدية لا تمنح تفويضاً.. وحدهم السودانيون أصحاب الحق في تقرير مصير ثرواتهم وأرضهم وساحلهم.
#ومضة..
ما أخطر أن تصبح مفاتيح الوطن في جيب السلطة، وأن يُترك الشعب خارج غرفة التفاوض!
#توقيع\\_أفق\\_الحرف..
أفق يترفق باتساعه ليقول :” السودان أكبر من حاكم، وأبقى من سلطة، وأغلى من صفقة.. ومن يفاوض على أرضه وثرواته، عليه أن يتذكر أن للشعب كلمة، وللتاريخ ذاكرة، وللحقوق أصحاباً لا تسقط مطالبهم بالتقادم..
إنا لله ياخ..
الله غالب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.