البرهان في موسكو.. ذهب يطلب النجدة فعاد بنصيحة وقف الحرب

حسن عبد الرضي

 

الكتابة في الأوراق السياسية وقت الجوع والمسغبة تبدو، للوهلة الأولى، ترفاً ذهنياً لا يليق بأناس يبحثون عن لقمة تسد الرمق، أو جرعة ماء تروي الظمأ، أو ضوء مصباح يبدد ظلاماً صار أطول من ليل الشتاء. ولكن ما العمل؟ لعل الكتابة، في مثل هذه الأزمنة، تصبح ضرباً من مقاومة العتمة، حتى لا يكتمل الجوع في المعدة بتخمة من الأكاذيب في العقول.

ولذلك لا بد من التوقف عند الرحلة الموسكوفية للفريق عبد الفتاح البرهان، التي حشدت لها أجهزة إعلامه المتهالكة من الزفة والتهليل ما يكفي لاستقبال فاتح عظيم، أو قائد عاد من معركة حاسمة، لا رئيس سلطة ذهب يطرق أبواب الخارج بحثاً عن مخرج لحرب لم يعد يعرف كيف يخرج منها!

أعدّت أبواق الإعلام عدتها، واشتغلت ماكينة النفخ بأقصى طاقتها. المصافحات والابتسامات والصور التذكارية وكلمات المجاملة تحولت جميعها إلى فتح مبين في نشرات الأخبار. وكأن مجرد أن يبتسم لك مسؤول روسي يعني أن موسكو وضعت ترسانتها العسكرية واقتصادها وسياساتها الخارجية تحت تصرفك!

وفي خطابه أمام القمة الروسية الإفريقية الثالثة، لم يجد البرهان ما هو أهم من شكر القيادة والشعب الروسي على حفاوة الاستقبال. ولا بأس بالشكر، فهو من مكارم الأخلاق، لكن السودان لم يكن في حاجة إلى مزيد من كلمات المجاملة، وإنما إلى موقف ينهي حرباً أكلت شعبه، وبددت دولته، وأحالت مدنه إلى خرائب ومقابر.

وهنا وقعت المفارقة التي عجزت كاميرات الوفد عن تجميلها.

ذهب البرهان إلى موسكو، وفي حقيبته آمال معلقة على الدعم الروسي لحربه، فإذا بالرئيس فلاديمير بوتين يؤكد أن بلاده تدعو إلى وقف الأعمال القتالية والتوصل إلى تسوية سياسية للنزاع السوداني. ثم يعيد التأكيد، في لقائه بالبرهان نفسه، على ضرورة إنهاء العمليات العسكرية والبحث عن حل سياسي.

يا لها من خيبة! ذهب الرجل يطلب العون لمواصلة الحرب، فإذا بصاحب البيت ينصحه بوقفها! سافر طلباً للسلاح، فعاد بنصيحة عن السلام. ولعل هذه أول رحلة دبلوماسية يذهب فيها المرء بحثاً عن ذخيرة، فيعود محملاً بموعظة!

ولم تكن موسكو وحدها صاحبة هذه النصيحة. فقد دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في القمة ذاتها، إلى تكثيف الجهود لإنهاء الحرب ودعم مسار سياسي وحوار سوداني تقوده الأطراف السودانية وتملكه. أي إن الرسالة جاءت من موسكو والقاهرة معاً: لا مستقبل للسودان في استمرار الاقتتال، ولا حل عسكرياً يعوض السودانيين ما فقدوه من أرواح وأوطان وأحلام.

فأي دعم كان ينتظره البرهان؟ وأي نصر دبلوماسي تحتفي به أبواقه، بينما تتصدر الدعوة إلى وقف الحرب أجندة القادة الذين ذهب يسترضيهم؟!

أما حكاية تقديم أراضي السودان وموانئ البحر الأحمر على طبق من الوعود، في مقابل امتيازات روسية، فتفتح باباً آخر من الأسئلة الثقيلة. فالبحر الأحمر ليس قطعة أرض في مزاد سياسي، والموانئ ليست إرثاً شخصياً يتصرف فيه الحاكم كيف يشاء. إنها مصالح وطنية وإقليمية معقدة، تتصل بأمن دول المنطقة، ولا سيما مصر والمملكة العربية السعودية. والسيادة الوطنية ليست عقاراً معروضاً للبيع كلما ضاقت بالحاكم سبل البقاء، ولا شيكاً على بياض يوقعه من يظن أن الوطن ملكية خاصة ورثها عن أبيه!

ثم تأتي المفارقة الإثيوبية لتضيف جرعة أخرى من العبث. فالبرهان يتهم إثيوبيا، وفق زعمه، بتقديم الدعم لقوات الدعم السريع عبر مسيّرات تنطلق من أراضيها، بينما تتحدث التقارير عن تعزيز روسيا تعاونها العسكري مع إثيوبيا وتزويدها بمنظومات تسليح متقدمة. فأي شبكة علاقات هذه التي ينسجها أصحاب القرار؟ وكيف يمكن تسويق الارتهان لقوة تعزز تعاونها العسكري مع دولة يتهمها الحاكم بدعم خصمه باعتباره انتصاراً دبلوماسياً؟ يبدو أن السياسة الخارجية عند هؤلاء لا تحتاج إلى بوصلة؛ يكفي أن تتجه حيث توجد صورة تذكارية!

ثم بلغ المشهد ذروة المفارقة حين مُنح البرهان الدكتوراه الفخرية في العلوم الإنسانية. والحق أن العلوم الإنسانية تستحق كل إجلال، فهي تُعنى بالإنسان وكرامته وحريته وحقه في الحياة. ولذلك يحق للسودانيين أن يسألوا، من باب الفضول الأكاديمي البريء: ما الإنجاز الإنساني الذي استحق هذه الدرجة؟ أهو الارتفاع المريع في أعداد النازحين؟ أم خراب المدارس والمستشفيات؟ أم الجوع الذي يطارد ملايين البشر؟ أم مشاهد الموت التي تحاصر السودانيين من كل اتجاه؟

أم أن كيزان السجم قد اكتشفوا أخيراً تخصصاً أكاديمياً جديداً اسمه «الإنجاز الإنساني بالفشل»، فتكفلوا بمصاريف الاحتفال حتى يحصل العاطل على الدكتوراه، وفي العلوم الإنسانية كمان؟!

بالطبع، لا نعرف حيثيات منح الدرجة، ولا نريد أن ننسب إلى الجهة المانحة ما لم تقله. لكننا نعرف أن الشهادات الفخرية لا تمحو شهادات الضحايا، وأن الألقاب الأكاديمية لا تمنح أصحابها حصانة من أسئلة التاريخ. فالإنسانية ليست لقباً يُعلّق على الصدر، وإنما موقف يُختبر حين تكون حياة الإنسان وكرامته على المحك. وليس كل من حمل دكتوراه في العلوم الإنسانية صار بالضرورة أكثر إنسانية!

وفي خضم هذه المسرحية، ظهر مدير هيئة الإذاعة والتلفزيون، البزعي، على شاشة قناة روسيا اليوم، مزهواً بمذكرة تفاهم وقعها مع القناة، ومردداً حديثاً عن الإرث والثقافة المشتركة بين السودان وروسيا. ولا ندري أي إرث ثقافي مشترك يقصده الرجل، ولا كيف اختصر مذكرة تفاهم تلفزيونية المسافة الحضارية بين موسكو وأم كدادة والفرجاب!

لا خلاف على أهمية التبادل الثقافي والإعلامي، لكن هل أزمة السودان في نقص المذكرات؟ وهل ينقص السودانيين برنامج تلفزيوني روسي حتى يكتمل لهم الأمن والسلام؟! المواطن السوداني يحتاج إلى بيت يأويه، ومدرسة يتعلم فيها أبناؤه، ومستشفى يعالجه، وحق في الحياة؛ لا إلى نشرة أخبار إضافية تحتفي بإنجازات سلطة لا تجد ما تقدمه له سوى المزيد من النصح بالصبر على البلاء.

لقد صار الإعلام الرسمي أشبه بمكتب للعلاقات العامة مهمته تحويل كل مصافحة إلى نصر، وكل مجاملة إلى إنجاز استراتيجي، وكل مذكرة تفاهم إلى فتح مبين. ولم يبقَ إلا أن يعلنوا أن السودان قد استعاد عافيته بمجرد أن صافح البرهان مترجماً روسياً!

والأشد إثارة للسخرية أن هذه الأجهزة لا تجد حرجاً في تقديم الرحلة باعتبارها فتحاً استراتيجياً، بينما تعجز عن الإجابة عن سؤال بسيط: ماذا عاد به البرهان من موسكو غير الصور والألقاب والوعود ومذكرات التفاهم؟

وليس في التاريخ ما يمنع من استحضار زيارة البشير إلى روسيا في ديسمبر ٢٠١٧، حين ذهب متطلعاً إلى دعم موسكو، وطرح أفكاراً تتعلق بالتعاون العسكري والبحري، بل تحدث عن حاجته إلى الحماية من الولايات المتحدة. وبعد أقل من عام ونصف أطاحت به ثورة ديسمبر المجيدة. والتاريخ يعيد نفسه، لكنه يتمتع أحياناً بحس ساخر يجعله يضع الوقائع المتشابهة جنباً إلى جنب، ويترك للحكام أن يتأملوا مصائر أسلافهم!

إن المعضلة الحقيقية ليست في أن يعود البرهان من موسكو بخيبة أمل دبلوماسية، وإنما في أن يظل السودان كله يدفع ثمن أوهام السلطة وحساباتها. فالذي يحتاجه السودان ليس راعياً أجنبياً يطيل عمر الحرب، ولا حليفاً يمنح حاكمه شهادة أو صورة تذكارية، ولا قناة تلفزيونية تتبادل معه مذكرات التفاهم؛ وإنما يحتاج إلى وقف فوري للقتال، وحماية المدنيين، وإغاثة الجائعين، واستعادة الدولة من قبضة السلاح، وفتح الطريق أمام حل سياسي سوداني ينهي هذه الكارثة.

لقد تعب السودانيون من حكام يذهبون إلى الخارج بحثاً عن ضمانات لبقائهم، بينما يتركون شعبهم في الداخل يبحث عن ضمانات لبقائه على قيد الحياة!

أما البرهان، فقد يعود من موسكو محملاً بالصور والألقاب والهدايا، وقد تصنع له أجهزة إعلامه من ذلك كله انتصاراً تاريخياً. لكنه لن يستطيع أن يحمل معه السودان الذي ضاع، ولا أن يخفي حقيقة أن العالم بات يتحدث عن وقف الحرب، فيما لا تزال سلطته تتصرف وكأن استمرارها هو القضية الوطنية الكبرى التي تستحق كل هذا العناء.

فيا أيها السادة، لا نريد من موسكو دكتوراه فخرية لحكامنا، ولا من أي عاصمة أخرى صورة تذكارية جديدة. نريد للسودانيين أن يعيشوا! نريد وطناً لا يكون فيه المواطن ضحية لحرب حكامه، ولا تكون فيه الموانئ والمصائر الوطنية أوراقاً في مساومات البقاء.

لقد آن أوان أن يتوقف هذا العبث، وأن يدرك أصحاب السلطة أن السودان ليس ملكاً لهم، وأن الشعب الذي يدفع ثمن الحرب هو وحده صاحب الحق في تقرير مستقبل بلاده.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.