البشير والبرهان «العشاء الأخير»

مستور أحمد محمد

أحياناً، توحي مصادفات التاريخ بما هو أبعد من مجرد المصادفة، فقد زار البشير روسيا في نهاية نوفمبر 2017، في ظل ضغوط داخلية وحصار خارجي، وطلب الحماية الروسية علناً، مقابل منح روسيا وجوداً عسكرياً على البحر الأحمر وشراكات اقتصادية. ويمكن تفسير هذه الخطوة في إطار الاستجداء والابتزاز للحلفاء الإقليميين «وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية»، وللأعداء الدوليين «وفي مقدمتهم الولايات المتحدة»، في محاولة مكشوفة للاستفادة من صراع النفوذ، ولكن صقر جديان الثورة كان قد بدأ الانقضاض، فبعد أقل من شهرين، وفي السادس من أبريل، كانت نهاية المشير.
زار الفريق البرهان روسيا مشاركاً في القمة الروسية الأفريقية في نهاية هذا الشهر، طالباً الشرعية مقابل النفوذ الاقتصادي «وهذا يعني ضمناً وجوداً عسكرياً لحماية المصالح الاقتصادية». ورسالة الاستجداء والابتزاز للحلفاء والأعداء حاضرة أيضاً. والفرق أن البشير بدأ بإيران وانتهى بروسيا، بينما فعل البرهان العكس، لكن بذات طريقة التفكير والنهج، مع اختلاف السياقات.
كان البشير، حينها، يسعى إلى فك العزلة الدولية والتخلص من الضغوط الأمريكية، للاستمرار في الحكم. وقد استفاد مؤقتاً من الدعم الدبلوماسي الروسي، لكن تلك الخطوة لم تحقق غرضها الابتزازي المتمثل في الحصول على دعم مالي مباشر، بل عززت قناعة الذين دعموه بأنه ليس جديراً بالثقة.
أما البرهان، الذي سار في الدرب ذاته، فإن وضعه الداخلي والخارجي أسوأ بكثير من وضع البشير، ولا يزال يبحث عن شرعية ودعم دبلوماسي وعسكري يمكنانه من الاستمرار في الحكم، ولكن خطوته هذه سوف تقلب عليه الموازين، وحتماً سوف تعجّل برحيله.
إن أخطر ما في المشهد أن البرهان لا يتعامل مع السودان باعتباره دولة ذات سيادة ومؤسسات وحقوق شعب، بل يبدو وكأنه يتعامل معه بوصفه ورقة تفاوض يساوم بها على بقائه في السلطة. فالدول لا تُدار بمنطق الصفقات الشخصية، ولا تُرهن ثرواتها وموانئها ومواقعها الاستراتيجية مقابل الحماية الخارجية. والتاريخ لا يرحم الحكام الذين يخلطون بين مصيرهم السياسي ومصير أوطانهم؛ فربما يجد الحاكم من يمد له يد العون مؤقتاً، لكنه لن يجد من يمنحه شرعية لا يملكها، أو يشتري له ولاء شعب قرر أن يستعيد دولته من قبضة الطموحات الفردية.
فقد أثبت بجدارة أنه يراوغ ويكذب دون أن يرمش له جفن، ويعتقد أنه قادر على السير في وحل التعقيدات الداخلية والخارجية، بينما هو أبعد ما يكون عن ذلك. فقد أتت به الصدفة ليكون الرجل الأول في الدولة، عبر ثورة شعبية شهدت لها البسيطة، وكان أول ما فعله هو التآمر والانقضاض عليها، وإدخال نفسه والبلاد في تعقيدات ما كان لها أن تحدث لو امتلك الحد الأدنى من الذكاء والمعرفة والأخلاق والتعلّم من التجارب.
البشير كانت قدرته على المراوغة أفضل، وقدرته على إدارة التناقضات الداخلية والخارجية أكبر، ولديه مؤسسات تحميه وتدعمه، وتفصّل وتشرعن له وجهته. وأكثر من ذلك، فقد امتلك خبرة في الحكم امتدت ثلاثين عاماً. ورغم ذلك، سقط أمام أعين حلفائه وكل من لجأ إليهم طالباً للدعم والحماية، حاملاً شهادة الدكتوراه الفخرية.
أما هذا العبد لله، فأباطه والنجم، لا يمتلك أياً من مقومات الاستمرار، وكل ما يمتلكه هو القدرة على إضاعة الفرص وصناعة التعقيدات. وعليه، فإن فرصته في الصمود قد شارفت على الانتهاء.
فهو لا يدري أنه لا يدري.
والسودان ليس مطروحاً للبيع في مزاد طموحاته السلطوية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.