البرهان وموسكو والرياض.. مناورات النفوذ تضع سيادة السودان على المحك

 تقرير: عين الحقيقة

 

لم يكن عرض رئيس مجلس السيادة في سلطة بورتسودان وقائد الجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، على روسيا إنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، مجرد مقترح استثماري لتخزين القمح والوقود أو تطوير البنية التحتية.

فالساحل السوداني يمثل موقعاً استراتيجياً تتقاطع عنده مصالح دولية وإقليمية، تتجاوز الحسابات التجارية إلى قضايا الأمن والنفوذ والسيطرة على الممرات البحرية.

وخلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، الجمعة 30 أكتوبر 2026، طرح البرهان إنشاء منطقة اقتصادية حرة على البحر الأحمر، تتيح للشركات الروسية إقامة مخازن للقمح والوقود، إلى جانب المشاركة في تطوير السكك الحديدية واستغلال الموارد المعدنية السودانية.

ورغم الطابع الاقتصادي المعلن للمقترح، فإن توقيته يعيد إلى الواجهة ملف الوجود الروسي على الساحل السوداني، ويطرح تساؤلات بشأن طبيعة الامتيازات التي يمكن أن تحصل عليها موسكو، ومدى ارتباطها بمشروع القاعدة البحرية الذي ظل محل تفاوض وجدل إقليمي ودولي.

ففي فبراير 2025، أعلن وزير الخارجية السوداني السابق علي يوسف التوصل إلى تفاهم مع موسكو بشأن إقامة قاعدة بحرية روسية في بورتسودان، مشيراً إلى عدم وجود عقبات أمام تنفيذ الاتفاق. لكن المشروع واجه تعقيدات وضغوطاً إقليمية ودولية، ولم يدخل حيز التنفيذ.

وفي ديسمبر 2025، أفادت تقارير صحفية بأن البرهان قدم تطمينات للسعودية بشأن تجميد مشروع القاعدة الروسية، خلال مباحثاته مع ولي العهد محمد بن سلمان.

ويضع هذا التطور العرض الجديد أمام مفارقة سياسية، إذ يعود البرهان إلى موسكو بمقترح يمنح الشركات الروسية حضوراً اقتصادياً على الساحل ذاته الذي سبق أن قدم بشأنه تطمينات للرياض.

صحيح أن المنطقة الاقتصادية الحرة ليست قاعدة عسكرية، ولا توجد معلومات تثبت أن العرض يتضمن امتيازات عسكرية، لكن طبيعة الموقع وأهمية المنشآت المقترحة تفتحان نقاشاً حول الحدود الفاصلة بين الاستثمار الاقتصادي والنفوذ الاستراتيجي، خصوصاً إذا ارتبطت المنطقة بامتيازات طويلة الأمد.

وتنظر السعودية إلى البحر الأحمر باعتباره جزءاً من أمنها القومي، بالنظر إلى أهميته للملاحة والتجارة والطاقة.

كما تتابع القوى الدولية أي توسع لنفوذ موسكو في المنطقة، في ظل سعي روسيا إلى تعزيز حضورها في أفريقيا والقرن الأفريقي وتأمين موطئ قدم استراتيجي على طرق التجارة الدولية.

وفي هذا السياق، قال محلل سياسي فضل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة» إن «الإشكالية لا تكمن في التعاون الاقتصادي مع روسيا، وإنما في غياب المؤسسات الدستورية والرقابة المدنية التي تضمن توجيه الاتفاقات الاستراتيجية لخدمة المصالح الوطنية. كما أن الجمع بين التطمينات المقدمة للرياض والانفتاح المتجدد على موسكو يضع مصداقية سلطة الأمر الواقع بقيادة البرهان أمام اختبار حقيقي».

وتعيد التطورات الحالية طرح السؤال ذاته: من يملك حق التفاوض بشأن الموانئ والموارد والامتيازات الاستراتيجية؟ وهل يحق لقائد الجيش، الذي يدير ملفات حساسة في ظل الحرب، اتخاذ قرارات طويلة الأمد بشأن مستقبل الساحل السوداني دون تفويض دستوري ورقابة مدنية؟

وتزداد حساسية هذه الأسئلة في ظل استمرار الحرب وتراجع مؤسسات الدولة وتفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية.

فالسودان لا يحتاج إلى استبدال ارتهان خارجي بآخر، وإنما إلى سياسة خارجية تديرها حكومة مدنية تتحصن بالشرعية الدستورية، وتستند إلى مؤسسات وطنية قادرة على حماية موارده ومصالح شعبه.

ويرى المحلل السياسي أنت «الخطر الحقيقي يتمثل في تحويل الموقع الجغرافي والثروات السودانية إلى أوراق تفاوض لتأمين سلطة بورتسودان عبر اتفاق بين البرهان والإسلاميين، بدلاً من توظيفها لبناء اقتصاد وطني لصالح الشعب السوداني. فالصفقات التي تفتقر إلى الشفافية والرقابة قد تفرض التزامات يصعب على الحكومات المدنية اللاحقة مراجعتها».

ولا يعني ذلك أن السعودية ستعارض بالضرورة مشروع البرهان الاقتصادي المقترح، إذ لم يصدر موقف سعودي رسمي معلن بشأنه حتى الآن.

لكن التباين بين تجميد مشروع القاعدة العسكرية والانفتاح على منح روسيا امتيازات اقتصادية على الساحل يستحق المتابعة، خصوصاً في ظل تشابك المصالح بين موسكو والرياض وواشنطن.

وفي واقع الأمر، لا تتمثل القضية في الاختيار بين روسيا والسعودية، وإنما في قدرة الشعب السوداني على كبح جماح سلطة البرهان في إدارة العلاقات الخارجية وفق مصالح لا تمت إلى السودان بصلة.

فهل يستطيع البرهان إقناع الرياض بأن الانفتاح على موسكو اقتصادي لا عسكري، وإقناع موسكو بتوسيع شراكتها مع السودان دون إثارة مخاوف بقية الأطراف الدولية؟ أم أن محاولة الإمساك بجميع الحبال ستضع البلاد مجدداً في قلب صراع المحاور؟

البحر الأحمر ليس ملكاً لجنرال، وثروات السودان ليست أوراقاً شخصية للمساومة لصالح استمرار حكم البرهان والحركة الإسلامية. فالسيادة الوطنية لا تقاس بعدد الحلفاء الدوليين، وإنما بقدرة الدولة على حماية مصالح شعبها، وإخضاع الاتفاقات الاستراتيجية للشفافية والرقابة والمساءلة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.